|
باعتباري أردنياً كامل الدسم حتى إشعار آخر، فإنني أشعر بالألم من هذا الخلط الشديد لقضية في غاية البساطة، سيما وأن الذين يمارسون هذا الخلط إعلاميون في مواقع رسمية أو شبه رسمية، ونخب ذات وزن ومراس في العمل العام. ويجب أن أضيف أن الغالبية العظمى من هؤلاء وأولئك لا تمارس هذا الخلط بسوء قصد، بل أرى أنها تبتعد عن المفصل الرئيس في المشكلة التي تطفو على السطح بين الفينة والفينة، وهي مشكلة سحب الجنسية الأردنية من مواطنين أردنيين ذوي أصول فلسطينية، وذلك بذرائع مختلفة، فمرة بحجة أن سحب هذه الجنسية هو تنفيذ لقرار فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، ومرة أخرى يقولون إنه ليس سحباً للجنسية بل هو عملية "تصويب"، ومرة ثالثة يدّعون أن ما تقوم به الحكومة الأردنية هو تنفيذ لرغبة "الأشقّاء" الفلسطينيين، ورابعة مؤداها أن ما تقوم به الحكومة هو لتثبيت الأهل في فلسطين، ومرة خامسة يقولون إن الحديث عن سحب الجنسية هو "استهداف" للأردن ولذلك طالب وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال الدكتور نبيل الشريف مؤخراً بـ "هبّة" لحماية الأردن. وأرى أن جميع هذه الأقوال لا تصمد عند تفكيكها، ولاسيما القول إنها تنفيذ لرغبة الأشقاء الفلسطينيين، لأنه لو طلب الأشقاء الفلسطينيون من الحكومة الأردنية أن تتوقف عن عمليات "التصويب"، فهل سوف تستجيب الحكومة للطلب؟!
ومما يزيد من الألم أن أحاديث بعض الرسميين تعطي الانطباع أن المواطنين الذين سحبت جنسياتهم غير موالين لفلسطين، وهم بإصرارهم على التمسك بجنسيتهم الأردنية ينفذون الخطة الصهيونية في تفريغ الأرض الفلسطينية، وتحويل الأردن إلى فلسطين. وتتحول القضية من قضية فردية تتعلق بحق من حقوق الانسان في الجنسية الى قضية وطنية تتبارى فيها دولة – بكل مقوماتها- مع فرد مطعون في وطنيته، ولا يملك في مواجهة الدولة اي دفاع أو غطاء أو منبر اعلامي للدفاع عن موقفه، ولا يملك حقاً في ولوج باب القضاء بعد ان أوصد في وجهه تماماً.
علينا ان نقرّ – بادئ ذي بدء- انه لا يوجد "قرار" بفك الارتباط وكل ما نعلم به هو خطاب جلالة المغفور له الحسين بن طلال في 31/7/1988، ولم تتم صياغة ذلك الخطاب على شكل قرار ملكي يأخذ صياغة قانونية وشكلاً قانونياً تفرضه المادة (93) من الدستور، وصدرت على اثر ذلك الخطاب الملكي سلسلة من التعليمات التي مسّت حياة الآلاف من الأردنيين مع العلم أنها ما تزال شبه سرية، حيث لم تنشر لا في الجريدة الرسمية ولا في الصحف المحلية، ولم ترد على لسان الناطقين الإعلاميين الرسميين. ثم لا يعلم الجمهور ما هي المعايير التي يتم فيها سحب الجنسية او "تصويب الأوضاع"، وما انفكت هذه المعايير سرية او شبه سرية، فضلاً عن أن هذه التعليمات والمعايير تخضع لتفسيرات الشخص المسؤول في تلك الفترة، ما خلق اضطرابات في رسم نتائج منطقية. وفوق هذه وتلك، فإن القضاء منع من النظر في اي دعوى تتعلق بسحب الجنسية بمقولة ان هذا عمل من أعمال السيادة.
وعلينا ان نقرّ- ثانياً- أن دولة تقوم على قواعد دستورية وفيها قوانين تنظم تصرفاتها، وأن جميع المواطنين فيها يعيشون تحت سقف القانون، فان الإبقاء على سرية التعليمات وسرية المعايير وإغلاق باب القضاء أمور تثير الريبة والشك ولا تبعث على الطمأنينة، سيما واننا نتعامل هنا بقضية تتعلق بحق أصيل من حقوق المواطن، وهو حقه في الجنسية. وقد فرض الدستور على الحكومة ان تنظم الجنسية بقانون وصدر قانون الجنسية في العام 1954 ونظم طرق سحب الجنسية وجعلها بيد مجلس الوزراء وليس بيد دائرة، ورهن قرار مجلس الوزراء بمصادقة جلالة الملك لكي يثقل في القيود المفروضة على الجهاز التنفيذي حين يتخذ قراراً بسحب جنسية الاردني وهي قيود تتماشى ومعايير مواثيق حقوق الإنسان المعاصر.
وعلينا ان نقرّ – ثالثاً- أن الاردني من أصل فلسطيني لم يكتسب الجنسية بتقديم طلب للتجنّس، بل فرضت عليه الجنسية الاردنية فرضاً، وذلك حين اصدر مجلس الوزراء الأردني بتاريخ 20/12/1949 تعديلاً لقانون الجنسية الاردني لعام 1928، وكانت الضفة الغربية آنذاك تدار بموجب قانون الدفاع من قبل الحاكم العسكري اعتباراً من 19/5/1948. وقد نصت المادة الثانية من التعديل على ان "جميع المقيمين عادة عند نفاذ هذا القانون في شرق الأردن او في المنطقة الغربية التي تدار من قبل المملكة الأردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية يعتبرون أنهم حازوا الجنسية الأردنية ويتمتعون بجميع ما للأردنيين من حقوق ويتحملون ما عليهم من واجبات".
وواجب الوفاء يقتضي الاعتراف بفضل الأردن في اتخاذ تلك الخطوة التشريعية، اذ وفر على الفلسطينيين، الذين اكتسبوا الجنسية الأردنية عناء وعذاب العيش بوثيقة سفر. ولذلك يجب التذكير ان الأردني من أصل فلسطيني، بعد ستين عاماً من اكتساب الجنسية الأردنية، ليس مواطناً انتهت صلاحيته كما لو كان منتجاً معلباً وحان وقت التخلص منه، بل هو مواطن أصيل خدم الدولة ودفع الضريبة وحمل اسمها وجنسيتها جيلاً بعد جيل.
وعلينا ان نقرّ –رابعاً- انه كما فرضت الجنسية في العام 1949 وعلى نحو جماعي، جُرّد هؤلاء من جنسيتهم الأردنية ايضاً في العام 1988، اذ أفاق سكان الضفة الغربية (وعددهم حوالي 2,5 مليون نسمه، وليس 2700 حالة كما ادعى تقرير الهيومن رايتس) من نومهم يوم 1/8/1988 فاذا هم عديمو الجنسية، لأنه لا توجد في القانون جنسية فلسطينية. وفي الحالتين لم يتقدم احد من الفلسطينيين لا افراداً ولا قيادات لا بطلب فرض الجنسية ولا بطلب سحبها. وليس المجال هنا لمناقشة مخاطر تجريد سكان الضفة الغربية من جنسيتهم الاردنية وهم تحت الاحتلال الصهيوني، الاّ انه من المبرر التساؤل كيف نفسّر هذا السلوك لإجراءات تقوم بفرض جنسيتها على شعب كامل وتسحبها منه من دون انذارات مسبقة ومن دون مقدمات ومن دون تبصّر في النتائج التي تترتب على افراد ذلك الشعب؟!
وعلينا أن نقرّ – خامساً- ان تجديد البطاقة الصفراء ليس – في معظم الحالات- خياراً لحاملها، إذ أنّ الامر والنهي في هذه الحالة يخضع لرغبة سلطة الحكم العسكري الصهيوني. وكم كان حريّاً بالحكومة الأردنية ان تصرّ أثناء مفاوضات وادي عربة على حمل إسرائيل بتجديد هذه البطاقات، او حمل إسرائيل على قبول النازحين او- على الاقل – قبول عدد محدد منهم، بدلاً من إلقاء العبء على الأفراد الذين لا يملكون في مواجهة سلطة الاحتلال أية قوة تفاوضية كما هي قوة الدولة، سيما وأن تلك المفاوضات جرت في ظل وضع كان ملائماً للأردن اكثر مما هو عليه الان. لا بل استطيع القول ان الوقت مايزال ملائماً وذلك بعدم إعفاء 2500 سلعة إسرائيلية من الرسوم الضريبية الاردنية، وذلك حسب ما ورد في بيان وزير الصناعة التجاري في 20/1/2010، او بعرقلة دخول المنتجات الإسرائيلية إلى السوق الأردني او عبورها الى السوق العراقي، او وقف التعاون الأمني معها. أي أن بيد الأردن أوراق ضغط ليمارسها على إسرائيل في هذا الصدد.
أكرر القول إنني أردني كامل الدسم باعتباري احمل رقماً وطنياً ولا أحمل بطاقة خضراء ولا صفراء، ولست من مواطني القدس، ولست من مواطني غزه لا قبل العام 1967 (حملة شهادات المرحوم الحاج رشاد الشوا) ولا بعده، ولا من نازحي حرب حزيران. ومع ذلك أشعر بالقلق الشديد بسبب ان لي امتداداً فلسطينياً. وأحيانا ينتابني شعور بأنني لست مواطناً انتهت صلاحيته فحسب، بل أيضاً انني مواطن بلاستيكي يمكن التخلّص منه بإلقائه في سلة النفايات، وذلك لكي تؤكد سلطة المتابعة والتفتيش للاحتلال الصهيوني ان الأردن ليس فلسطين، وكأنني أنا المسؤول عن ترداد الادعاءات الصهيونية، او أنني اردد تلك الادعاءات.
ولا أخفي وجعي من أن الذين يلعبون بورقة سحب الجنسية من الاردنيين من ذوي الأصول الفلسطينية، انما – وبغير قصد منهم – يخلقون تشققات في بنية المجتمع الأردني تتخلل منها الصهيونية كما تخللت عبر التشققات المجتمعية في لبنان والتي جعلت من شبكات التجسس المكتشفة في لبنان حتى الان اكثر من عدد البارات في شارع الحمراء.
أيها السادة، اننا مواطنون في دولة، ولسنا ركاب درجة سياحية في طائرة!! فاتقوا الله قبل ان تتذرعوا بالهيومن رايتس ووتش، وهناك قانون جنسية أردني يجب علينا جميعاً الاعتصام به.
|