الشهيد عبد الكريم رضوان.. احتضنته الأرض قبل حضن أمه

الشهيد عبد الكريم رضوان.. احتضنته الأرض قبل حضن أمه
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب

لم يتسع الوقت لأم الشهيد، أن تلقي عليه نظرة الوداع وتطبع أخر قبلة على جبينه، فقد رحل سريعاً إلى جنان الخلد دون أن تحتضنه ليواري الثري في دفء الأرض الأم  فلسطين، مُشعلاً في قلبها ألماً عليه لن تخمد نيرانه ما دامت تذكره. 

 

مشهدٌ مؤلم حد القهر يتكرر للمرة الثانية مع والدة الشهيد عبد الكريم رضوان، ففي المرة الأولى لم تتمكن من وداع نجلها « أحمد» الذي اختلطت أشلاؤه مع أشلاء سبعة شهداء كانوا برفقته، ارتقوا اثر قصف "إسرائيلي" خلال اجتياح على القطاع عام 2004، واليوم يرحل نجلها « عبد الكريم» وهي ترقد على سرير المرض بإحدى مستشفيات مصر. 

 

ولم يبق للأم المكلومة سوى صورته الصامتة تحتضنها تارة وتقبلها تارة أخرى، وهي تتأمل ملامح وجهه البشوش التي لا تود أبداً ان تفارقها، ولسان حالها يردد بحسرة" راح عبد الكريم وما ودعته زي أخوه، كان نفسي أحضنهم زي باقي أمهات الشهداء، لكن دفنوهم وهما بعاد عني".

 

واستشهد عبد الكريم رضوان (38عاما) أحد عناصر " كتائب القسام" الجناح العسكري لحركة حماس، الخميس الماضي بقصف إسرائيلي لنقطة رصد  في رفح جنوب قطاع غزة.

 

خبر كالصاعقة

 

وقع خبر استشهاد عبد الكريم كالصاعقة على قلب شقيقه " محمد"، ورغم أنه يعلم أن الفراق أتٍ لا محال إلا انه لم يستطع تحمل فكرة أن يرحل أخوه الثاني في الوقت الذي ترقد به والدته على سرير المستشفى بمصر، وبقي سجيناً للسؤال الأصعب" كيف سيخبر أمه باستشهاده وأنها ستحرم من وداعه للمرة الأخيرة؟".

 

مضت الساعات بثقلها، ومازال " محمد" عاجزاً عن تبليغ أمه، ففي كل مرة يمسك بها الهاتف ويضع رقمها يعاود مسحه، حتى تفاجأ برنين الهاتف " أمي الحبيبة"، لم يتمالك نفسه حينها لكنه تشجع وفتح الاتصال، ليسمع صوت أمه باكية" طمني يما على عبد الكريم، مش هو المستشهد صح؟"، صمت قليلاً وبكى فعلا صراخها " عبد الكريم ما بموت بدون ما أشوفه وأودعه".

 

وبصوتٍ يخنقه الألم، يقول شقيق الشهيد لـ"الاستقلال":" خبر استشهاد أخي عبد الكريم كان صاعقه لنا، برغم كوننا متوقعين استشهاده بأي لحظه لخطورة عمله ، لكن كان الأكثر صعوبة من استشهاده كيف سأخبر والدتي بخبره، خاصه وأنها لن تتمكن من وداعه كما حدث عند استشهاد أخي أحمد".

 

ويتابع بغصة:" أخي أحمد استشهد عام 2004 خلال اجتياح للقطاع، فكان أشلاء ولم نستطع رؤيته وتوديعه، واليوم استشهد عبد الكريم وامي بمصر تتعالج ما قدرت تودعه، فكان صعباً جداً عليا أن أخبرها باستشهاده"، مشيراً إلى أن والدته علمت باستشهاد نجلها " عبد الكريم" عبر فضائيات الأخبار وشاهدت صوره على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وأعرب "محمد" عن حزنه وألمه الشديد لحرمان والدته من وداع نجليها الشهيدين كباقي أمهات الشهداء في قطاع غزة، متخوفاً من أن تسوء حالتها الصحية أكثر خاصةً وأنها تعاني من عدة أمراض مزمنة من بينها " الضغط والسكري". 

 

اللقاء الأخير

 

رحل " عبد الكريم" لكنه ترك بقلوب أحبته كلماتٍ يصدح صداها بكل لحظة، ولقاء ستدوم ذكراه طويلاً ، فقبل يومٍ واحد من استشهاده جمع عائلته على شاطئ البحر لتناول طعام العشاء وتبادل أطراف الحديث، ويمازحهم تارة ليرسم البسمة على وجوههم كما عاهدوه، وتارة أخرى يلهو ويلعب مع اطفاله. 

 

وأضاف محمد وعلامات الحزن تحتل ملامحه:" عبد الكريم قبل يوم من استشهاده كان يتصرف بغرابه، اتصل على أمي وتحدث معها لساعات وأخذ يوصينا عليها وعلى زوجته وأبنائه، ثم أخذنا جميعاً على شاطئ البحر لتناول العشاء، كان سعيداً جداً و يضحك ويتأمل بملامحنا بدقة". وأردف:" كان عبد الكريم بودعنا وأحنا مش عارفين، ما توقعنا مزحة وضحكة وتوصياته لنا راح تكون آخر كلمات له بينا"، واصفاً الشهيد بأنه طيب القلب، حنون على أمه وعائلته، بشوش الوجه، محب للوطن والشهادة فكثيراً ما ردد ذلك أمامنا. 

 

موكب التشييع

 

وشيعت جماهير غفيرة في مدينة رفح، الجمعة الماضية، جثمان الشهيد عبد الكريم رضوان، وسط دعوات بالثأر والانتقام لدمائه.

 

وانطلق الموكب الجنائزي للشهيد من مشفى غزة الأوروبي بمحافظة خانيونس باتجاه منزل عائلته في حي تل السلطان، غربي المدينة، حيث تم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمانه.

 

وشهد التشييعُ مشاركةَ، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، وعدد من وممثلي الفصائل الفلسطينية، حيث تم الصلاة على جثمانه في مسجد طيبة القريب من منزله قبل أن يُوارى الثرى في مقبرة الشهداء غرب المدينة.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق