بين «وردة ورصاصة».. حكاية الشهيد «شعبان» وزوجته

بين «وردة ورصاصة».. حكاية الشهيد «شعبان» وزوجته
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب

لم يكن الشاب شعبان أبو خاطر يرغب أن تكون حكايته عادية تُطوى بين الصفحات سريعاً، فقد رسم تفاصيلها بحلوها ومرها بمظروفٍ واحد فيه رصاصة ووردة، قدمة لمخطوبته « صفاء» قبل عقد قرانهما بيوم، سألته باستغراب « ما هذا؟» فأجابها باسماً:» بداية المشوار ونهايته يا صفاء!» ثم تابع:» عليك بالصبر، فالمقاومة في غزة واجب، وهذا المصير مكتوب علينا».

 

في تلك اللحظة لم تُفكر» صفاء» في تغيير رأيها بالتراجع عن الزواج وقالت له: «الأعمار بيد الله يا شعبان لا زيادة ولا نقصان», لتبدأ حكايتهما فكانت بجمال الوردة التي قدمها شعبان لها، وزاد عطرها الفواح عندما رزقا « بكر»، لكن القدر كتب النهاية مساء يوم الجمعة الماضي، ليرحل شعبان شهيداً بقصف إسرائيلي لنقطة رصد المقاومة شرق خانيونس.

 

 

لكن صفاء لازالت تثق بأن عهدها مع شعبان لم ينقطع، فلازال الطفل "بكر" يذكرها بأيامهما الجميلة، وتثق بأن اللقاء وتكملة المشوار سيكون في جنات الخلد حيث وعد الله الشهداء والصابرين.

 

المهر شهادة

 

"صفاء" كانت تحلم بشاب خلوق يحمل في قلبه وسلوكه القرآن، فكان لها ما أرادت، لذلك تخلت عن حقها من المهر وخلافه وقبلت بشعبان زوجاً، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه".

 

بدموع المحب الذي أنهكه وجع " استكمال الحكايات" بعد الراحلين، تقول زوجة الشهيد شعبان:" كنت اتمنى زوجاً متديناً ومتعلماً، وعندما تقدم شعبان وجدت فيه الاخلاق والطيبة والبساطة لكنه كان فقيراً لا يقدر على دفع مهر، فوافقت على الزواج بلا مهر، عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم إن أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه". 

 

بابتسامة حزينة، تتابع صفاء لـ"الاستقلال":" في مراسم قراءة الفاتحة أحضر شعبان أول هدية لي، لا أنساها أبداً، إذ وضع  بيدي ظرف أخرج منه وردة ورصاصة، قالي " هادي الوردة بداية مشواري معك"، ثم أمسك الرصاصة ورفعها بيني وبينه وقال " هذه نهايته، أنا داخل بهذا الشغل وراح أكون شهيد"، قلت له " الأعمار بأيد الله يا شعبان".

 

وأضافت بعدما مسحت دموعها:" شعبان أعطاني أغلى مهر بالكون ما في عروس أخذت مثله، مهري الشهادة اللي نالها".

 

اللحظات الأخيرة

 

لم يتغيب شعبان عن المشاركة في مسيرات العودة وكسر الحصار، جمعةً واحدة، ففي جمعة" لن تمر المؤامرة على حقوق اللاجئين"، طلب من زميله تبديل توقيت مناوبة العمل، بحيث يعمل في الفترة المسائية عند الساعة الثانية ظهرًا بدلاً من الصباحية.

 

وبمجرد انتهاء شعبان من صلاة الجمعة، عاد لمنزله مسرعاً طالباً من زوجته أن تهيئ طعام الغداء ليحمله معه إلى موقع عمله في مرصد المقاومة شرقي مدينة خانيونس على بعد مئات الأمتار فقط من السياج الأمني الفاصل .

 

 وأثناء خروجه للعمل، تعلق ابنه الوحيد بكر في قدمه منادياً بصوته الصغير " بابا .. بابا" ليطبع على جبينه قبلة ويمسح على رأسه، موصياً زوجته ببكر خيراً، لكنها لم تلتفت كثيرًا لحديثه، فقد اعتادت على اهتمامه الشديد بابنه، فقالت له:" حاضر، من عيوني"، وذهب كل منهما إلى طريقه .

 

صاعقة الاستشهاد

 

كان يوماً عادياً بتفاصيله بالنسبة لصفاء، لكن مع ساعات المساء الأولى بدأ الخوف يتسرب إلى قلبها، حتى تحول لجمرة نار، تحوم حول نفسها، تارة تُحدثه عبر الهاتف، وتارة أخرى تحتضن صغيرها بكر، تتأمل ملامحه البريئة، لعلها تُهدئ من رجفة فؤادها إلا أن الخوف غلب كل معاني الاطمئنان فيها.

 

مضت الساعات بثقلها، حتى سمعت صفاء بنبأ استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي موقعاً شرق خانيونس، قبض صدرها وصرخت " شعبان"، " لا تقلقي شعبان بخير" هكذا أخبروها من حولها، لكنها لم تهدأ وبدأت بتصفح مواقع الأخبار على الشبكة العنكبوتية.

 

بصوتٍ يعتريه الألم، تقول زوجة الشهيد:" لما سمعت باستهداف موقع رصد للمقاومة حسيت أنه شعبان فيه، فتحت الجوال وصرت أقلب بمواقع الأخبار حتى رأيت صوراً للمكان الذي يعمل فيه زوجي مشتعلا بالنار، زاغ بصري واشتعل قلبي بالنار، واتصلت فوراً على هاتفه". 

 

بعد لحظاتٍ من الصمت، تكمل حديثها:" ارتجفت يدي قبل أن أتصل، كنت خائفة جداً وما إن بدأ هاتف شعبان بالرنين حتى تنفست وقالت: "الحمد لله هي رن، آه شعبان؟"، سكت المستقل ثم قال" أنا صديق شعبان، شعبان مصاب وإن شاء الله بخير"، حينها علمت أن خوفي الزائد عليه في هذا اليوم تحديداً لم يكن من فراغ، وأنه شهيداً وليس مصاب".

 

تحجرت الدموع في عينيها، وسارعت إلى ذلك المغلف، الذي أهداه اياها في أول لقاءٍ لهما، وفتحته وأخرجت محتواه، ونظرت إلى الرصاصة بحزن وقالت: لم أعلم أن النهاية ستكون سريعة، ثم تنهدت وتابعت: أسأل الله أن يجمعنا في جنات الفردوس.

 

وفي نهاية حديثها، استذكرت المكالمة الأخيرة بينهما قبيل استشهاده بساعة " سألته بتحتاج اشي مني، قالي" الله يحييك يا صفاء"، اختنق صوتها بحشرجات البكاء وأكملت:" الله يحييك في حياتك، وعمرك، وفي قبرك وأينما اتجهت يا شعبان".

 

وفي بلدة “بنى سهيلا”، في خانيونس، أدى المشيعون صلاة الجنازة، على جثمان الشهيد، شعبان أبو خاطر، في مسجد حمزة بن عبد المطلب، قبل أن يدفن في مقبرة البلدة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق