دعوا أطفالنا يعيشوا حياتهم!... ميساء أبو ستة

دعوا أطفالنا يعيشوا حياتهم!... ميساء أبو ستة
صحة وجمال

الأخصائية التربوية/  ميساء أبو ستة

يرفض أطفالنا النوم مبكرا ويُصرون على السهر رغم جميع محاولات الأم المستميتة في إقناعهم تارة وردعهم تارة أخرى ، وفي الصباح تعاود الكَرة في محاولات جديدة ، تهدف إلى  إيقاظه للذهاب إلى المدرسة ، تُعد الإفطار وملابس المدرسة ، تغسل وجهه ، تلبسه الحذاء تقوم بكل شيء؛ ثم تجد أنه تأخر بالفعل فتصطحبه مهرولة إلى المدرسة مقدمة الأعذار ، عن تأخيره ، مطالبة بمسامحته قاطعة الوعود بعدم تكرار ذلك - إلا أن الأمر يتكرر- .

 

هذا واحد من مئات الأمثلة اليومية التي نؤدي بها كآباء وأمهات دور المنقذ في حياة أبنائنا، ولم نسأل أنفسنا عقب أي محاولة من هذه المحاولات، ماذا تعلم ابني اليوم ؟، ولو أن أياً منا سأل وتَفكر في الإجابة لوجدها واحدة في كل المرات ، ومفادها أن محاولاتنا المستمرة في

 

إنقاذه وتخطيط حياته لم تفد ولم تنتج إلا مزيدا من  الاتكال ، والكسل ، واللامبالاة  .

 

إننا أمام إصرارنا على ذلك نحرم أطفالنا من أن يعيشوا الواقع ويتعلموا من أخطائهم، وهو ما يسمى في التربية (التعلم بالعواقب) فعندما يعيش الطفل عواقب اختياره لسلوك ما يدرك ما في ذلك من سوء بشكل أفضل وأسرع بكثير من أن نستمر نحن في شرح هذه العواقب له وتحذيره من نتائج أفعاله ، فلو أن الأم في المثال السابق تركت للطفل حرية اختيار السهر ووفرت على نفسها معاناة إقناعه ، واكتفت بإبداء ثقتها في قراره ، معللة قلقها بأنها تخشى أن يتأخر عن مدرسته صباح الغد التالي ، وتركته يعيش عواقب اختياره من تأخير، وإحراج ، وتأنيب من مدرسيه ، فهو ببساطة سيتعلم ويحمل في ذاكرته تجربة حقيقة أدرك من عواقبها سوء هذا الاختيار وعدم ملاءمته ، في المقابل يجب أن نأخذ كأهل في هذا الموقف دور المتعاطف مع الابن ، دون كيل التهم وعبارات الشماتة له ، ببساطه نأسف على ما حدث معه ونخبره أننا ما زلنا نثق باختياراته ونتمنى له قرارات أكثر حكمة في المستقبل .

 

فلنتوقف عن عيش حياتهم بدلا منهم ، ولنترك لهم لذة التجربة والتعلم بالمحاولة ، والخطأ ، مكتفين بدور المراقب حفاظا على سلامتهم دون التدخل ، وربما نحتاج أن نكون في دور الموجه أحيانا معبرين عن رأينا دون فرض العقوبات ، واختيار جميع مسارات يومهم بالإجبار ، تبدو لنا الأيام أجمل ، واقل توترا ونحن نختار لهم ونقرر نيابة عنهم ، ولكننا بهذا نضعهم في زاوية العاجزين عن إدارة ابسط أمور حياتهم ، وفي ظل غيابنا سيبحثون بالتأكيد عمن يدير لهم دفة حياتهم بما يرونه مناسبا ، ونكون قد غرسنا بداخلهم أنهم لن يكونوا يوما قادرين على اتخاذ القرار الصحيح ، وسنخلق داخلهم إما التردد والخوف من السير قدما في أي موقف يعيشونه ، أو سنخلق فيهم الاندفاع والتهور دون حساب لعواقب الأمور .

 

أبناؤنا أقوياء بالتجربة ، وبمعايشة الواقع ، ننقذهم اليوم ونستمر في ذلك ، ولكن من سينقذهم من الفجوة التي سيجدون أنفسهم فيها يوما ما ؟، فبالتأكيد سيأتي يوم لن نكون معهم فيه ، فهل أعددناهم لمواجهة هذا اليوم ؟

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق