موجبات وموانع الاصطفاف الوطني... عدلي صادق

موجبات وموانع الاصطفاف الوطني... عدلي صادق
أقلام وآراء

عدلي صادق

لا زال الطيف الوطني الفلسطيني (وبضمنه الطيف الإسلامي، كما يتوجب) عاجزاً عن تحقيق اصطفاف وطني شامل ومؤثر، لكبح السياسيات العباسية على صعيدي الوضع الداخلي والاجتماع، لترميم النظام الوطني وإصلاحه على أسس دستورية وقانونية، وخنق النهج الفاجر المتفرد، وطي مرحلته مرة والى الأبد.

 

لم يتبق لدى عباس، من وسائل تعليل بقائه واستمراره في تدمير الجيل الجديد والمؤسسات والنسيج الاجتماعي والقانون والوثيقة الدستورية؛ إلا بعض الكلام اللفظي عن معارضة ما يسمى «الصفقة» في الوقت الذي يثابر فيه، هو نفسه، على التمهيد لها وتسهيل مهمة أصحابها، وسيكون جاهزاً بعد أن تقع الفأس في الرأس، لكي يقول كلاماً آخر.

 

اليوم، اكتشفت «الجبهة الديموقراطية» أن اختلافها مع عباس حول جزئية إجرائية ومتطلبات سياسية محقة، يكفي لأن يشملها التخوين ومنطق الاتهام بالأجندات المشبوهة. معنى ذلك، أن لا فائدة من التودد لعباس ومجاراته وتمرير ممارساته. فهو لا يريد شريكاً لا من فتح نفسها التي لا يتقبل منها سوى الطراطير، ولا يريد شريكاً من فصائل منظمة التحرير الوازنة التي لديها رؤاها، ولا شريكاً من حماس بالطبع. فالتحدي اليوم يقع على كادر فتح المنتشر في أرجاء الدنيا، وعلى الجبهتين الشعبية والديموقراطية، وحزب الشعب و»المبادرة الوطنية» ومعهم حماس. فهذه الكيانات، باتت معنية باصطفاف وطني لإيقاف المهزلة. لكن هذه الكيانات لا زالت عاجزة عن الأخذ بمقتضيات حراك سياسي ديموقراطي، على قاعدة التوافق، يبدأ من المجلسين الوطني والتشريعي. الأول باجتماع الذين تم إقصاؤهم من أعضائه الحقيقيين، ومعهم الذين قاطعوا، والثاني، اي المجلس التشريعي، بجمع الأغلبية المتوفرة التي يتربص لها عباس لإبطال مشروعيتها بذريعة انتهاء تفويضها. ففي سياق رعونته، أصبح الآن معنياً بنزع الصفة عن جميع أعضاء «التشريعي»، وهذا يعني بالمنطق، انتهاء تفويضه هو نفسه، الذي سبق تفويضهم وانتهى قبله.

 

في التاريخ الفلسطيني المعاصر، كانت للثورة شرعيتها الثورية، التي ليس فيها مُدداً محددة لانتهاء التفويض، وهذه لا علاقة لعباس بها، لأنه قطع معها، وظل يجاهر بكراهية المقاومة ويسميها إرهاباً. بل إنه هو نفسه، يرفض أن يُنسب اليها. وفي السلطة، كانت لنا شرعية دستورية، أساسها وقاعدتها العملية الديموقراطية، وفيها مدد تفويض محددة بآجالها، وتلك مدد انتهت بالنسبة لعباس وحماس. لكن الأول، يضمر استباق الثانية، ليس ببقائه على رأس السلطة وحسب، باعتباره رئيساً، وإنما بإبطال مشروعية المجلس التشريعي، الذي حازت فيه حماس على أغلبية المقاعد، في دورة يناير 2006 الانتخابية. ولأن فوزه بالرئاسة، قبل سنة من فوز حماس، كان محكوماً بشروط التفويض والعملية الانتخابية،  فإنه تعمد وبادر الى تخريب وسائل انتقال السلطة والشروع في عملية ديموقراطية. وزاد على ذلك أنه حرم حتى الموالين المقربين، من المشاركة في اتخاذ القرار السياسي والأمني والمالي في السلطة الفلسطينية، وجعل الرواتب والموازنات سلاحاً لإخضاع الجميع. فماذا تبقى للموالين المقربين، وللمعارضين الموضوعيين، وللشعب المتأذى من هذا النهج ومن ذائع للصبر على عباس؟

 

لكي يتحقق الاصطفاف الوطني، يتعين على الكادر الوطني الفتحاوي أن يتجمع وأن يشكل كتلته الحاسمة مستفيداً من المشتركات الكثيرة بين الفتحاويين، سواء في الانتماء الوطني الفتحاوي أو في وجهات النظر المتعلقة بأوضاع فتح الراهنة وأوضاع الكيان الفلسطيني. ولدينا اليوم وسائل التواصل، التي تساعد على تحقيق التضامن بين الفتحاويين، وجميعهم، وبنسبة مئة في المئة، معترضين على نهج عباس لكن بعضهم يخشى قطع رزقه وحرجه أمام أسرته!

 

أما حماس، فيتعين عليها النزول عن شجرة الأوهام. فلن تكون للحزبية الدينية، أية سيطرة متفردة، على أي مجتمع، لا في فلسطين ولا في غيرها. بل لن يعلو سقف أية سيطرة، عن مستوى التكليف من الشعب، بإدارة حياة المجتمع والدولة، لمدة محددة، وفق مبدأ التداول، على أن تتخلل المدة جاهزية الفئة المكلفة، للمساءلة أمام مؤسسة التشريع والرقابة. وبخلاف ذلك، يخطيء الطرف الذي يتوهم أن باستطاعته أن يأخذ غير ما يتاح له وفق أي دستور.

 

أما الفصائل التي يقيدها احتياجها للموازنات، فإن المرحلة بكل مصاعبها، تُعد فرصة مواتية بالنسبة لها لكي تتشابه أوضاعها مع الشعب المحروم من لقمة الخبز في غزة. فأن تكون بلا موازنات مالية، أفضل حالاً من الشعب بكثير، إذ لديها وسائلها (وربما استثماراتها إن كانت عملت لضمان مستقبلها) لكي تؤمن ما يضمن فاعليتها. وستكون مدة الصبر قصيرة لأن اصطفافاً وطنياً قوياً، لن يفشل في تحقيق أهدافه النبيلة، في تحقيق صلاح الكيان الفلسطيني وتكريس العدالة!

 

لم يتبق سوى وقت قصير، على وصول جميع ضحايا الإقصاء، من الكادر الفتحاوي والفصائل والقوى الاجتماعية، إلى حال يضطر فيه الجميع إما إلى الاصطفاف، أو إلى التبعثر وتفتيش كل إنسان، عن خلاص فردي لنفسه!

التعليقات : 0

إضافة تعليق