ما بين التسوية والتصعيد

ما بين التسوية والتصعيد
عين على العدو

ترجمة: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

الديناميكا الدورية في قطاع غزة وصلت مجددًا إلى نقطة قد تؤدي لمواجهة بين إسرائيل وحماس. الوضع الأساسي في القطاع (الذي لم يتغير في العقد الماضي) يتسم بأزمة اقتصادية، في البنى التحتية، وإنسانية مستمرة ومتفاقمة، تحاول حماس النجاة منها بمساعدة جهات دولية ومن خلال إلقاء المسؤولية على إسرائيل. في ظل غياب أي فرصة نجاح لتحقيق تغير في الوضع مع مرور الوقت؛ تتوجه حماس وجهات "إرهابية" أخرى في قطاع غزة نحو التصعيد الأمني مع إسرائيل.

 

في جولة القتال الأخيرة اتحدت عدة عوامل، تراكمت في العام الماضي وقوضت الاستقرار الأمني النسبي الذي ساد في الساحة منذ "الجرف الصامد" في أغسطس 2014؛ فقد اعترفت حماس بالفم الممتلئ أنها فشلت في إدارة الشؤون المدنية في القطاع، توجهت لقناة مصالحة مع السلطة الفلسطينية، وكانت مستعدة لنقل المفاتيح لها لإدارة المنطقة، بشرط أن يستمر التنظيم في التمسك بالذراع العسكرية الخاص به، وبالتالي احتكار القوة في القطاع. رئيس السلطة محمود عباس فتح بدوره صراعًا اقتصاديًا صارمًا ضد أجهزة حماس في القطاع، وكان الهدف من هذه الخطوة إضعاف حماس، وبالفعل فقد سرعت من فك ارتباط السلطة الفلسطينية من غزة. في اتصالات المصالحة قدّم عباس موقفًا واضحًا لا لبس فيه: فقط بالسيطرة الكاملة (سلطة واحدة، قانون واحد وسلاح واحد) سيوافق على العودة للقطاع.

 

في المقابل، غيّرت مصر من سياساتها تجاه القطاع في بعدين؛ الأول: عبّرت عن استعدادها لإدارة مفاوضات مع حماس، بالاستناد على استعداد التنظيم للمشاركة معها في الحرب ضد جهات سلفية جهادية في شبه جزيرة سيناء. الثاني: استعداد مصر لتعميق التزامها فيما يحدث بالقطاع، وتحمّل مسؤولية أكبر في اتجاه الهدوء والاستقرار، من خلال تعزيز المصالحة بين السلطة وحماس، تخفيف الحصار عن القطاع وتعزيز مشاريع اقتصادية لصالح سكان القطاع. كذلك المجتمع الدولي - بما فيه إدارة ترامب - أدرك أن الخطوة الأولى الضرورية لتحريك خطوة سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين يجب أن تبدأ بمعالجة "طنجرة الضغط" الإنسانية في القطاع. ومع ذلك، لم تكن النتائج سريعة والضغط الداخلي على حماس ازداد.

 

"مسيرات العودة" التي كان أصلها المجتمع المدني الغزي سقطت كثمرة ناضجة في يد التنظيم، فمن خلال التظاهرات الحاشدة بجانب السياج الحدودي مع إسرائيل، والتي بدأت خلالها ظاهرة الطائرات الورقية والبالونات الحارقة؛ استطاعت حماس تحدي إسرائيل، سواء في الساحة الأمنية (خصوصًا في ظل غياب استجابة مناسبة لطرق "الإرهاب" الجديدة) أو بالساحة الدبلوماسية أو الشكلية في أعقاب المساس بالفلسطينيين خلال اشتباكات في منطقة السياج، ونتيجة لعمليات عسكرية في القطاع.

 

السياسات الإسرائيلية تجاه حماس والقطاع

 

يصعب على إسرائيل صياغة سياسات فعالة فيما يتعلق بقطاع غزة، فمنذ سيطرة حماس على القطاع في 2007 سعت إسرائيل لإضعاف حماس جنبًا إلى جنب مع تعيينها كمسؤولة عمّا يحدث في القطاع، اعتراف واقعي بسيادتها وحكمها في المنطقة.

 

سلوك إسرائيل في العقد الماضي لم يسعَ لتسوية واسعة وطويلة الأمد في القطاع، بل "هدوء مقابل الهدوء"، مع الالتزام بسياسات الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، التي تهدف للتقليل من التأثيرات السلبية لواحدة على الثانية.

 

عدة اعتبارات مؤثرة على سياسات إسرائيل

 

أ) أي تنازلات أمام حماس ستثبت جدوى استخدام القوة ضد إسرائيل.

ب) عمليًا، أصبحت حماس هي العنوان الحصري لقطاع غزة، وكل خطوة تسوية مع حماس ستضعف فرص عودة السلطة؛ وهذا نهج يخدم الموقف الإسرائيلي في الوقت الحالي.

ج) اعتبار آخر هو أهمية التنسيق الاستراتيجي لإسرائيل مع مصر، ولا ترى القاهرة اليوم في المصالحة بالساحة الفلسطينية شرطًا ضروريًا لتحسين الوضع في القطاع، وهي مستعدة للتوصل لتفاهمات مع حماس مع تجاوز السلطة الفلسطينية. مع ذلك، تدرك مصر بأنها بحاجة لتدخل السلطة الفلسطينية في مرحلة تنفيذ المشاريع المدنية في القطاع، ولذلك تدرس في المقابل تعزيز المصالحة الداخلية الفلسطينية. في جميع الأحوال، فإن التسوية بين إسرائيل وحماس - التي ستصاغ بوساطة مصرية بدون تدخل السلطة الفلسطينية - لها أهمية متعلقة بدور السلطة الفلسطينية في نظر إسرائيل بإدارة القطاع مستقبلًا.

د) منذ 2014، عملية "الجرف الصامد"، وحكومة إسرائيل، لأسباب سياسية وعامة، غير مستعدة ولا تستطيع التوصل لتسوية واسعة مع حماس، طالما لم تتم إعادة المواطنين وجثث الجنود الإسرائيليين، الذين يحتجزهم التنظيم.

 

من تقارير مختلفة حول مبادرات التسوية لمصر ولمبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف، يتضح أن هناك صياغة لخطة ذات عدة مراحل، تشمل هذه العناصر: وقف إطلاق النار، وقف التظاهرات على السياج وإطلاق البالونات والطائرات الورقية الحارقة، مقابل فتح معبر كرم أبو سالم ورفح لإدخال بضائع للقطاع، وكذلك زيادة حصة الكهرباء، الوقود والغاز للمنطقة، وإعادة المواطنين وجثث الجنود، مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، مصر ستستمر بالعمل لتحقيق المصالحة بين السلطة وحماس وإقامة حكومة توافق، تتحمل مسؤولية الادارة المدنية للقطاع، تعزيز مشاريع في مجال البنى التحتية لتحسين مستوى الحياة في القطاع، بجانب تعزيز حلول عملية في سيناء، ميناء بحري لخدمة الفلسطينيين، إقامة منشآت لتحلية المياه واقامة محطة كهرباء لتحسين تزويد الكهرباء للقطاع؛ كل ذلك، جنبًا إلى جنب مع تقديم تصاريح عمل لسكان القطاع لهذه المشاريع.

 

إسرائيل وضعت عدة مطالب كشرط للتسوية؛ أولًا: طالبت إسرائيل بتهدئة أمنية لمدة (5-10) سنوات، ترتكز على أساس التزام حماس بالحفاظ عليها، بجانب وقف جهود التسلح العسكري للتنظيم، هذا بالإضافة لتعبئة مصرية لوقف التهريب والتسلل من سيناء لمناطق القطاع. ثانيًا: تُدرج إسرائيل في الخطة إعادة المواطنين وجثث الجنود. ثالثًا: تطالب إسرائيل بتدخل إقليمي ودولي واسع في إعمار القطاع، بتجنيد الموارد المطلوبة لذلك وتأسيس آلية لقوة عمل دولية، تدير الأنشطة الاقتصادية والبنى التحتية وتشرف على وصول الموارد المخصصة لأهدافها. يُفترض أن تشمل الآلية أيضًا فحصًا وإشرافًا في المعابر الحدودية البرية والبحرية وتكون مسؤولة عن منع تهريب آليات قتال ومواد مزدوجة الاستخدام (مدنية وعسكرية) للقطاع.

 

يبدو أن إسرائيل فهمت أنه من المهم دمج السلطة الفلسطينية في هذه الآلية، بجانب جهات من دول عربية، سيكون لذلك قيمة مضافة من ناحية فرصة إقناع حماس بالسماح بمشروع الإعمار وعدم خرق الهدنة والتهدئة المستمرة. يُشار إلى أن حماس من جانبها تعارض وقف تسلح الذراع العسكرية الخاص بها وترفض تقييد تخفيف الحصار والهدنة بإعادة المدنيين وجثث الجنود الإسرائيليين. بالنسبة لها، قضية تبادل المفقودين بأسرى فلسطينيين - وعلى رأسهم محرري صفقة شاليط الذين اعتقلوا مجددًا على يد إسرائيل - يفترض أن تكون مناقشة في مفاوضات منفصلة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق