الـلـي اسـتـحـوا سـكـتـوا... د. وليد القططي

الـلـي اسـتـحـوا سـكـتـوا...  د. وليد القططي
أقلام وآراء

بقلم/ د. وليد القططي

الأمثال الشعبية عبارة عن جمل قصيرة بليغة؛ تحمل معاني كبيرة عميقة، متوارثة عبر الأجيال، غالباً ما يكون ورائها قصة اختفت وبقى المثل مُعبّراً عنها، ومن هذه الأمثال المنبثقة من قصص حقيقية مثل (اللي استحوا ماتوا) بالنسخة الشامية، أو (اللي اختشوا ماتوا) بالنسخة المصرية، وقصة المثل حدثت في آخر العصر العثماني في أحد الحمامات العامة المنتشرة آنذاك في القاهرة أو دمشق، عندما كان يوم النساء في الحمام نشب حريقٌ أتى على ملابسهن وامتد إليهن، فاضطررن إلى الهروب عاريات للنجاة بأنفسهن، ولكن بعضهن استحين من الخروج فقضين حرقاً في الحمام، وعندما جاء صاحب الحمام وسأل عن وجود أموات في الحمام، قيل له:(اللي استحوا ماتوا)، فذهبت مثلاً.

 

هذا المثل يُقال عندما يختفي الأدب، ويتلاشى الحياء، وينزوي الخجل في القول والفعل بين الناس، في المواقف التي تظهر فيها أقوال وأفعال تناقض الأدب والحياء والخجل. وهذا ما ينطبق على بعض المُعلّقين على مفاوضات التهدئة الجارية في القاهرة، سواء من أولي الأمر في السلطة، أو من المتنطعين خارج السلطة، مع تعديل طفيف من المُستحسن إدخاله على المثل، مع الاعتذار لمبتكر المثل الأول، ليصبح (اللي استحوا سكتوا)، والسكوت هنا من باب الصمت المحمود بدلاً من قول الشر، وليس السكوت الذي يدخل في باب الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس، بل الكلام في هذه الحالة مطلوب وواجب مرغوب، ويدخل في باب ضرورة إبداء الرأي الآخر المختلف، وأهمية النقد البناء المُعارض.

 

المثل ينطبق على صنفين من المُهاجمين لموضوع التهدئة: أحدهما مُناكف سياسي، والآخر متنطع أيديولوجي، وكلاهما قد جاوزا الحد، وبالغا في الرد، والوسط الناجي بينهما الناظر لموضوع التهدئة من منظور وطني شامل، ورؤية كلية توازن بين مصلحة المقاومة في استمرار الصراع وإبقاء جذوة الجهاد مشتعلة حتى تحرير كل فلسطين، وبين مصلحة الشعب حاضن المقاومة وحقه في العيش الكريم، بتوفير مقومات البقاء والصمود في وطنه، وعوامل الحياة والوجود على أرضه. وهذا المنظور وتلك الرؤية في موضوع التهدئة، لا ينبغي أن تغفل البُعد الوطني البعيد عن المصلحة الحزبية الضيقة المرجوّة من التهدئة، كما لا ينبغي أن تكون ضمن أي مشروع سياسي يُسهم في تحقيق انفصال غزة سياسياً عن الضفة الغربية، وعزل غزة عن الوطن وأن لا تكون على حساب حق المقاومة في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، أو إستراتيجية المقاومة لتحرير فلسطين على المدى البعيد، أو يُدفع مقابلها ثمن سياسي على حساب الثوابت الوطنية والوحدة الوطنية.

 

من يُهاجم التهدئة من مدخل غياب الشرعية عنها، باعتبار التهدئة مع الاحتلال مسؤولية وطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وليست مسؤولية فصائلية، وهذا صواب من حيث المبدأ، ولكن بعد توضيح لمفهوم الشرعية التي حصلت عليها المنظمة بقرار من الجامعة العربية، ثم التف حولها الشعب الفلسطيني كإطار وطني جامع لمشروعه الوطني التحرري، ودون أن ننسى أن حركة فتح بنفسها قد شككت في شرعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني عندما كانت خارجها قبل عام 1968م، وهذا المنطق ينسحب على حركتي: حماس، والجهاد الإسلامي طالما أنهما خارج المنظمة،كما أن وجود الحركتين الشعبي والمقاوم منذ عشرات السنين في ساحة النضال الوطني الفاعل والمؤثر يعطيهما شرعية ثورية تتقدم على كل شرعية أخرى، إضافة إلى أن حركة حماس قد حصلت على شرعية انتخابية عام 2006 م أيضاً. والمفترض أن الإطار الشرعي الوحيد المتفق عليه كقيادة وطنية جامعة للشعب الفلسطيني هو (الإطار القيادي المؤقت للمنظمة) المُشكّل عام  2005 م ويضم منظمة التحرير وكل من قيادة حركتي حماس والجهاد مُعطل بقرار من الرئيس محمود عباس. وبعد كل ذلك لا ينبغي مهاجمة التهدئة من هذا الباب.

 

من يُهاجم التهدئة من كونها مدخلاً لتطبيق صفقة القرن، باعتبارها ستؤدي إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، في حال تم تطبيقها بعيداً عن السلطة الفلسطينية صاحبة الولاية القانونية على غزة بموجب اتفاقية أوسلو. وهذا في الظاهر صواب، فمن الأفضل أن تتم المصالحة الفلسطينية قبل التهدئة لتتوّلى السلطة مسؤولية إدارة وإعمار قطاع غزة، ولكن من المسؤول عن تعطيل المصالحة؟! أليس من يضع العراقيل أمامها بوضع شروط مستحيلة لتطبيقها كتسليم سلاح المقاومة للسلطة بعد نزع الصفة الشرعية عنها؟!.أليس من يمارس الإقصاء الوطني ويُدّمر الشراكة السياسية وفق منطق غريب عجيب أشبه بتجار الدرجة الثالثة (يا بتشيلوا يا بنشيل)؟!.أم أن الموضوع له علاقة بإبقاء المأزق الاقتصادي والأزمة الإنسانية والمعاناة اليومية في غزة،وهذا المرة بغطاء وطني واتهام كل من يوّقع على التهدئة بأنه يُمرر المخططات الصهيوأمريكية، ويرتكب خيانة وطنية، كنوع من الإرهاب الفكري تُعفي العدو المُحاصِر لغزة من المسؤولية، وتُبقي سيف العقوبات المفروضة على غزة سيفاً مُسلّطاً على رقاب أهلها؟!.

 

ومن يُهاجم التهدئة من باب التنطع الأيديولوجي في أن الأصل في العلاقة مع الاحتلال هو الصراع والمقاومة وليس التهدئة والهدنة، فهذا صواب وصحيح، ولكن التهدئة المنشودة ليست جديدة على ساحة الصراع مع الاحتلال، وآخر تفاهمات حول التهدئة هي التي أنهت حرب 2014 م الأخيرة على غزة، والتهدئة الحالية – إذا تمت – هي تثبيت للتهدئة السابقة بعد جولات التصعيد المتكررة بين المقاومة والعدو،مع التأكيد على الشق الثاني من التهدئة المتمثلة بإنهاء الحصار المفروض على غزة وحل مشكلة غزة الإنسانية كُلياً أو جزئياً الأمر الذي طالما أتهمت المقاومة بأنها مسؤولة عنها وعن معاناة أهل غزة واستُخدمت مدخلاً للتشكيك في جدوى المقاومة وفائدتها في ظل الواقع الإنساني البائس في غزة الناتج عن الحصار والحروب والعقوبات، إضافة إلى سوء الإدارة الداخلية. وفي كل الأحوال التهدئة لا تعني نهاية الصراع والمقاومة أكثر مما تعني دعم صمود الشعب فوق أرضه بجعل مقوّمات الحياة معقولة إلى حدٍ ما وتوفير متطلبات الصمود.

 

فعلاً (اللي استحوا سكتوا)، ولم يُهاجموا التهدئة من بابي المناكفة السياسية أو التنطع الأيديولوجي، وحفظوا ألسنتهم من التحريض على مزيدٍ من العقوبات ضد الشعب الفلسطيني الصامد والمرابط في قطاع غزة، مع التأكيد على أولوية أن تكون التهدئة في الإطار الوطني الجامع للكل الفلسطيني.  

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق