جدل التهدئة في "إسرائيل"... عامر خليل

جدل التهدئة في
القدس

عامر خليل

جدل التهدئة او الهدوء لا زال يأخذ مساحة واسعة في الأوساط الأمنية والسياسية والإعلامية في الكيان الإسرائيلي وتحول في جانب منه إلى مناكفات داخلية تلعب على وتر استرضاء جمهور اليمين الإسرائيلي والتحسب من انتخابات قريبة تنعكس على نصيب كل حزب من كعكة الكنيست القادمة لكن من الواضح أن هذا الجدل لا يحمل خلافا جوهريا بين أقطاب اليمين إذ يتم التلاعب بالكلمات فيما أحزاب الوسط واليسار التي تبدو اكثر يمينية في مواقفها من اليمين توظف معضلة حكومة نتنياهو في غزة لحشره في الزاوية بدعوتها الى حسم الموقف عسكريا.

 

لا بد من الإشارة إلى أن حديث التهدئة بالشكل الذي يجري التعبير عنه إسرائيليا لم يكن ليأخذ هذا المنحى لولا مسيرات العودة التي طرحت بقوة الحصار المفروض على غزة وجعلت كل العالم يدرك ان استدامته تعني انفجار الوضع إلى حالة لا يمكن معرفة نهايتها فاسرائيل على مدى عقد كامل أحكمت حصارها على غزة مطمئنة إلى أن الموقف العربي والدولي لن يكون ذي فعالية في التحرك نحو انهائه لكن الوقائع التي فرضتها المسيرات بتوجه الجماهير الفلسطينية نحو الحدود والاشتباك الشعبي من الطائرات الورقية الى البالونات الحارقة خلقت واقعا من الخوف واللاستقرار بين المستوطنين قرب قطاع غزة وبات هاجس الاصابة او تدهور الوضع وسقوط الصواريخ مسيطرا عليهم ما اضطر حكومة نتنياهو الى البحث عن حلول وبما أن خيار العدوان مكلف ويعني دخول مزيد المستوطنين في دائرة الخوف ودخول الملاجئ وعدم معرفة نهايته فرض عليه البحث في خيار التهدئة وتقديم خطوات عملية ترفع الحصار.

 

في ضوء ذلك وافق نتنياهو على الطرح المصري والاممي بشأن مراحل التهدئة بما يشمل رفعاً للحصار ومشاريع اقتصادية تؤدي إلى تغير الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في غزة منعاً للانفجار وفق الرؤية الإسرائيلية ولكن بمجرد ان بدأت لقاءات القاهرة والحديث عن التهدئة حتى تحولت معالمها الى ساحة اعلانات وتصريحات صادرة بشكل خاص عن اقطاب الحكومة الإسرائيلية وتبين ان المجلس الوزاري المصغر الكابنييت اختار السير نحو التهدئة بغالبية كبيرة وبالتالي سقط خيار العدوان رغم التلويح المستمر به.

 

الغموض كان سيد الموقف فيما صدر حكومة نتنياهو بشكل رسمي رغم تصريحات وزرائها لوسائل الاعلام والتي اتضح انها تتناقض مع مواقفها في الكابنييت اذ وظفت من اجل الاستهلاك امام الجمهور الاسرائيلي وكان الابرز في ذلك ليبرمان الذي صرح انه لا علاقة له باتصالات التهدئة رغم اطلاعه على كامل تفاصيلها خوفا من تأثير ذلك على حزبه «اسرائيل بيتنا» في الانتخابات القادمة وكان شرط اطلاق سراح الاسرى الاسرائيليين لدى المقاومة في غزة شائعا على لسان وزراء الكابنييت فيما لم يتحدث نتنياهو بهذا الشأن ما يشير الى انها لا تعني انهاء فوريا لهذا الملف الذي تحول الى مزايدات حزبية فرضت على بنييت زعيم حزب البيت اليهودي وعضو الكانبييت التصريح انه لا يعارض اتصالات التهدئة مع حماس بشرط الا تؤدي الى تعاظم قوتها العسكرية وبذلك ساد شبه اجماع داخل اليمين حول مفهوم التهدئة مع جدال حول مراحلها المختلفة لكن موضوع الاسرى الاسرائيليين لم يعد شرطا ويتبدى استعداد اسرائيلي للتعامل الايجابي في موضوع المشاريع الاقتصادية التي طرحها ميلادينوف ورواتب موظفي غزة.

 

تفاهمات التهدئة لن تكون اتفاقا بين المقاومة والاحتلال ويمكن ان تتفجر في أي لحظة اذا ما تمت حال نكوص الاحتلال عنها لكن الترويج لها اسرائيليا يختلف عنه فلسطينيا فحكومة نتنياهو تتحدث عن معادلة الهدوء مقابل الهدوء الذي سيؤدي الى فتح المعابر والسماح بالتسهيلات أي المشاريع الاقتصادية الاممية وموضوع الكهرباء والماء ... مع بدء مفاوضات حول صفقة تبادل وهكذا فان الجدال الظاهر حوله لا يحمل فروقاً جوهرية بين احزاب اليمين الاسرائيلي ويبدو نتنياهو مطمئنا انه لن يواجه مشكلة حقيقية في حكومته بشأن التهدئة الا انه يوظفها على الصعيد الداخلي الفلسطيني لتحميل تعثرها وسوء الاوضاع في غزة على عاتق السلطة الفلسطينية التي تفرض عقوبات على غزة وترفض القبول بتفاهمات التهدئة.

 

يجب الإشارة هنا الى ان موقف قيادة جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية الاسرائيلية يلعب دورا حاسما في تحديد وجهة الموقف في الحكومة الاسرائيلية رغم ان القرار بيدها فلا يمكن لوزرائها تجاهل هذا الموقف فالخيارات المطروحة أمامهم من قبل الجيش تترافق مع مخاطر كل خيار فاذا اختار موقف لا يحبذه الجيش فإنه سيتحمل تبعات ذلك ومن هنا فان من بين خيارات العدوان بالاحتلال او عملية واسعة او التهدئة المتبوعة بفتح المعابر ومشاريع اقتصادية فضل الجيش الأخير وهو ما اقره الكابنييت.

 

لا يبدو هذا الكم الكبير من النقاش والجدل حول التهدئة في الساحة الاسرائيلية يعبر عن التوجهات الحقيقية لأطرافه بما في ذلك اليسار والوسط فلو كان في الحكم لاتخذ نفس موقف  نتنياهو  فالاعتبارات الماثلة في غير التهدئة تعني التورط في مستنقع الحرب ونتائجها لن تكون واضحة في استعادة الردع الموهوم الذي يقال اسرائيليا انه تراجع وبحاجة لحرب جديدة لاستعادته فثلاثة حروب لم تحققه مع الفارق الواضح بين عام 2008 و2018 ولا يستبعد هنا ان الموقف الإسرائيلي من التهدئة مرتبط بإنهاء بناء الجدار البحري والأرضي على حدود غزة للانطلاق نحو عدوان في واقع استعداد عسكري أفضل. 

التعليقات : 0

إضافة تعليق