مرايا ..

خواطر منقوشةٌ على جدران العيد... عبد الله الشاعر

خواطر منقوشةٌ على جدران العيد... عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

(مُنهكون)

أطفالُ الحيّ ناموا الليلةَ باكراً كأنّما هم عائدون من حربٍ أكلت أحلامهم، واستنزفت جيوبهم، لكنهم كانوا باسمين!

 

نساء الحيّ يتصببْنَ تعباً لكثرة وقوفهنّ نهارَ العيد في المطبخ، والرجالُ يشخرون وقد ملأوا بطونهم لحماً وحلوى، وأعلنت جيوبهم إفلاسها.

 

منهكةٌ كلّ الطرقات، ورسائل العشّاق استهلكت كلَّ القصائد، وفرغت كلُّ دواوين الشعر، فمن يستنفرُ القبانيّ وابن أبي ربيعة لإنقاذ العالقين على جسور الحبّ المُعلّقة في الفراغ!

 

وأنا كذلك منهكٌ حدّ افتقاد الذاكرة، لكنَّ أحلامي تُطلُّ برأسها المشتعل شيباً من شُبّاك الصبر، وفي فناء القلب ثمّة سبعُ قصائدَ قطّعنّ حروفهنّ تصبّرا !!

 

راوَدْنَ قلبي المنهك عن حلمه، ومرّت في الذاكرة سبعٌ عجاف، وكنت أرى في المنام أنّي أشرب البحر ولا أرتوي...

 

يا إلهي، مَنْ لي بيوسفَ كي يُؤوّل رؤيايَ؛ فلقد طال وقوفي عند الشواطئ بانتظار العبور.

 

سترحل نصوصك السبع العجاف، ثم يولد النصُّ المفعم بالحلم، وفيه يُغاث القرّاءُ، وفيه يترنّمون.

 

مُسرفةٌ أحلامك أيها القلبُ هذا الصباح، لا بأس، فالمنهكون يداوون جراحَ الحياة بالرّجا والأحلام.

 

***

(دانيال )

 

قمرٌ ينبرُ ليالي الأسرى، فتحتشد في حروفه معاني التحدّي، وينتصرُ فيه الأسيرُ على الموت، فتهبه الحياةُ امتداداً لذِكْره، ويتسامى بحروفه الستة فوق جراحاته الغائرة.

 

إنه اختصار المسافات البعيدة، والمعلم الأبرز في جغرافيا يُمزّقها الاحتلال، فيشدّها دانيالُ من أطرافها؛ ليربط النقب الصحراويّ بسيلة الحارثية، ويكون الحبلَ السريَّ الذي يُغذّي أمَّه المكلومةَ بالسعادة، ووالدَه الأسيرَ بالأمل والحياة.

 

دانيال، هو النهر الذي يسافر عبر الصحاري؛ ليروي مرج ابن عامر ، فتمتلئُ المدينةُ خصوبةً، ويورقُ في أرجائها شجرُ الحياة.

 

إنّه الطفلُ الذي ( يُكلّم) الناس نطفةً قبل تخلّقه، ويمنحهم دروساً في التحدّي والصمود...يتحلّق الأحبّة من حوله فرحين، ويبصرون في وجهه ضِحْكة أبيه، ويَرَوْنَ في عينيه إصرار الأسير المجاهد (محمد طحاينة ) على هزيمة الجناة.

 

ستّةَ عشرَ عاماً في السجن يقهرها الأسيرُ بنُطفة، ويهزم الغيابَ بمولودٍ يُحلّقُ كطائرٍ دوريٍّ، يبني عُشّه على أطلال قيدٍ أراد النيلَ من أبيه، فلقّنه درساً في التحدّي، وحياةً مفعمةً بالانتصار.

 

***

 

الليلة نمت باكرا، وتركت بوابة أحلامي مشرعة...أغمضت عينيّ ولم أغمض قلبي، فاستغلّ فرصة نومي ودار على حلّ شوقه.

 

في الصباح استيقظت متأخّراً فوجدته نائماً جنبي، وعليه آثارُ رملٍ وماء، وفي عينيه زرقة البحر ، وعلى شفتيه تتراقص قصيدةٌ حالمة.

 

هو غارق في نومه الآن، لكن ثمّة علاماتُ رضا في مُحيّاه، ورؤىً مجبولةٌ بالوصل والحنين .

 

سأتركه الساعة ريثما يصحو، وحين يخبرني عن ليله وكيف أمضاه سأخبركم...ويا رب أعني على شغفه وأحلامه....

 

***

 

كمقاتلٍ يلوذ بالذكريات ليحتمي من اللهب...لكنّني بلا ذخيرة غير قلبي واليراع...هما راحلتي التي تجوب صحاري هذا الفضاء...وقاربي الذي يشقّ عباب البحار...لكنّ ورائي وخلفي قراصنةٌ يأخذون كلَّ سفينة غَصْبا...وأنا وابن جنبي لا يكفّان عن الحلم!

 

كمقاتلٍ يلوذ بالذكريات؛ ليبقى على قيد الحلم، ولا يستسلم للفناء....

 

كمحارب لا يملك غير قلبه واليراع، فهلّا  قبلتموهما هديّةً عن طيب خاطر؟

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق