فرحة دخوله المدرسة منقوصة

"مهند" من نطفة مهربة إلى مقاعد الدراسة!

محليات

غزة/ سماح المبحوح

بعد ست سنوات، جاء اليوم الذي ترى به طفلها يرتدي زيه المدرسي، ويحمل فوق كتفيه حقيبته المتزينة بأجمل الرسومات، يشد على يديها، ماضيا إلى مدرسته التي استعد لها طويلا، بخطوات سبقت جميع أقرانه الطلبة ؛ للدخول إلى صفه بضحكات تزين ملامح وجهه البريء .

 

وبعد دقائق من جلوسه على مقعده الدراسي ، ومع لحظة دخول معلمة الصف كانت اللحظة القاسية على الطفل مهند الزبن  ، إذ أخبرت المعلمة الأمهات بضرورة ترك أبنائهن ومغادرة الصف ، فكانت تلك المرة الأولى التي يشعر بها بالخوف من فراق أمه لساعات عديدة ، لكنه بذات الوقت رسم ابتسامته فرحا بجلوسه بين زملائه من الأطفال على مقاعدهم الدراسية.

 

فمهند الذي ولد من نطفة مهربة من والده الاسير عمار الزبن (44عاما) من مدينة نابلس و المحكوم 27 مؤبداً و 25 عاماً بسجن "ايشل " الإسرائيلي، كانت والدته هي كل العالم بالنسبة له ، فلم يتعرف على والده سوى عبر لمسه لصوره التي يرسلها مع محاميه  بين الفينة والأخرى.

 

يوم الدراسة الأول كان الأصعب على والدة مهند، ففرحة دخوله المدرسة دون والده بقيت منقوصة ولم تكتمل، فالحزن اعتراها حين عادت بالذاكرة ليوم دخول شقيقته بشائر ( 22 عاما) للمدرسة وتخطيها مراحلها الدراسية وصولا للجامعة حتى زواجها ، وكذلك شقيقته الأخرى بيسان (20عاما).

 

أحلام تكبر

 

وتوضح والدة الطفل مهند لـ"الاستقلال" أنه على الرغم من الساعات الطويلة التي قضتها برفقة ابنتها بشائر بالسوق  لشراء مستلزمات مهند المدرسية ، إلا أن الحزن بقى يحاصرها خاصة حينما تعلو دعوات ابنتها بأن لا يلقى شقيقها الصغير مصير الحرمان من مشاركة والدها فرحته بحصوله على علامات عالية وشهادات ترقية .

 

وتبين أنه مع كل خطوة يخطوها مهند نحو المدرسة، تكبر أحلامها بنيله درجات عليا  وحصوله على مستوى راق في وطنه ، ليرفع اسم والده ، متمنية أن يتسلم ابنها الصغير شهادته المدرسية برفقة والده ، بعد أن يتم الافراج عنه ويتحرر بصفقة تبادل .

 

وأشارت إلى أن لحظات الفرح في عائلتها كفرحة دخول مهند المدرسة، و فرحة معرفة وسماع والده خبر ولادته عبر احدى الإذاعات المحلية ، ورؤيته له بعد ثلاثة أسابيع لأول مرة دون تكرارها بعد ذلك ، تبقى جلها محفورة بالذاكرة ولا تنسى . 

 

فرحة منقوصة

 

ولفتت إلى أن مهند ممنوع أمنيا من زيارة والده كما باقى أفراد العائلة ، إذ لم يتمكن أحد من زيارته سوى مهند حين كان عمره ثلاثة أساببع ، مبينة أنها لم تتمكن من زيارة زوجها سوى خمس مرات خلال سنوات اعتقاله الـ22.

 

فالطفل مهند كان أول حكاية الحب وبداية الأمل التي ارتسمت في قلوب الأسرى وزوجاتهم ، فهو سفير الحرية الأول الذي يخرج من خلف قضبان الاحتلال الإسرائيلي ،  بعد أن هربت نطفة من ابيه الاسير عمار وخصبت بإحدى مراكز علاج العقم وأطفال الانابيب ، ليبصر النور في المستشفى العربي التخصصي في 13/8/2012 .

 

ولم يكتف الزوجان بمهند ، فخاضا ذات التجربة بعد ولادته بثلاثة أعوام ليرزقا بشقيقه صلاح ، رغم محاولات الاحتلال العديدة كشف طرق تهريب النطف ، باتخاذ الكثير من الإجراءات والعقوبات ضد الأسرى للحيلولة دون تمكينهم من الأمر .

 

وعلى الرغم من أن تهريب النطف يشكل انجازا للأسرى ولعائلاتهم، ومثالا إنسانيا في البحث عن الحياة والأمل و الحرية، وخطوة تغلبت على قيود السجان ، إلا أنها اصطدمت بإجراءات عقابية مشددة ، عندما منعت قوات الاحتلال هؤلاء الأطفال من حقهم في بطاقة الهوية والاعتراف بشهادات الميلاد ، كما تمنعهم من زيارة آبائهم داخل السجون.

 

فالإنجاب من خلف القضبان عبر " تهريب النطف" بقى حلماً يراود الأسرى الفلسطينيين خاصة المحكوم عليهم بالسجن المؤبد لسنوات طويلة ، لا سيما وأن الخوف يعتريهم من انقضاء أعمارهم داخل السجون ، و يتلاشى حلم الأبوة رويدا رويدا مع تقدم العمر خلف القضبان.

 

و خلف تلك الأسوار العالية والبوابات المحكمة يمضي ما يزيد عن 500 أسير فلسطيني أحكاما مؤبدة ، أحكام تبدو قادرة على تبديد أحلام عائلات بأكملها ، لكن الاحتلال الإسرائيلي  فشل حتى اللحظة في ذلك ، ما يعكس انتصارا معنويا للأسرى وأمل في الحياة لا ينقطع ، رغم قسوة السجان وظروفه القهرية .

 

وفي إحصائية صادرة مؤخرا عن مركز أسرى فلسطين للدراسات ، أشار إلى أن 23 أسيرا خاضوا تجربة الإنجاب عبر تهريب النطف بداية عام  2015 ، ليرتفع عددهم إلى 28 أسيرا عام 2016 خاضوا التجربة بنجاح وأنجبوا 38 طفلا ، ثم ارتفع عددهم عام 2017 إلى 44 أسيرا أنجبوا 56 طفلا ، فيما بلغ عدد إنجاب الأطفال خلال العام الجاري 61 طفلا.

 

وكان الطفل دانيال طحاينة ابن الأسير محمد من بلدة السيلة الحارثية غربي جنين شمال الضفة المحتلة، آخر طفل أبصر النور عن طريق النطف المهربة قبل خمسة أيام فقط.

التعليقات : 0

إضافة تعليق