بفعل رصاصة إسرائيلية

الشهيد الفتى خفاجة.. الصورة التي حلم بها سرعان ما تحققت!

الشهيد الفتى خفاجة.. الصورة التي حلم بها سرعان ما تحققت!
محليات

 

غزة/ دعاء الحطاب

قبل رحيلة بساعات، جلس بجوار والدته يحتضنها و يُحدثها عما يجول بخاطره، فنطق بكلمات تبدو غريبة لها، فقد أخبرها أنه يُريد طباعة صورة كبيرة له ويعلقها بمنتصف البيت كي تبقي ذكرى لهم، فضحكت وقالت: "الصور حرام"، فأجابها بغضب :إن شاء الله سأعلقها هنا" مشيراً بيده صوب صدر البيت. 

 

وما هي الا دقائق حتى توشح الفتى بلال خفاجة بكوفيته الفلسطينية وحمل علم بلاده، ثم توجه إلى والدته وقبل يديها و طلب منها السماح، ثم تبسم بوجهها وهم بالخروج، أخبرته فدعته إلى البقاء بجوارها فهي تأنس به، فقال:  "حافلات العودة ستنطلق ولا وقت للبقاء".

 

وحين حطت قدماه في مخيم العودة شرق مدينة رفح جنوب القطاع، تقدم نحو السياج الفاصل وعيناه تراقبان بشغف شجاعة المتظاهرين واختباء جنود الاحتلال خلف الكثبان الرملية، لكن ذلك القناص الإسرائيلي اختاره دون غيره، فسدد نحوه رصاصة اخترقت صدره الذي لم يكن فيه سوى قلباً ينبض بحب بلاده، وفي ذات للحظة شعرت الأم بانقباض قلب، فروح طفلها المدلل وأصغر أبنائها صعدت إلى السماء. 

 

وارتقى الفتى بلال خفاجة (17عاما)، الجمعة الماضية، بعد إصابته برصاصة في صدره أطلقها قناص إسرائيلي عليه شرق رفح جنوب قطاع غزة.

 

" قتلوا قلبي"

 

مرت الساعات والأم ذات القلب المقبوض متوترة، تنتظر مجيء " آخر العنقود" ليرتاح القلب برؤياه، حتى جاءها اتصال هاتفي من أحد الأطباء يُخبرها بإصابته، لم تصدق ما سمعته، لكنها تمالكت نفسها، وصبرت مرددة " اللهم أجرني بمصيبتي، واخلفني خيراً منها"، وانطلقت مسرعة إلى المستشفى، وهناك كان الخبر الأقسى، فقد استشهد قبل أن يتمكن الأطباء من إنقاذه.

 

وتقول الأم المكلومة، وهي تخبئ دمعها:" قالولي بلال تصاوب ما صدقتهم، اطلعت أجري على المستشفى لقيته في الثلاجة غرقان بدمة وملفوف بالأبيض، كان جسمه بارد مش زي كل مره بلمسه فيها"، مستدركة:" قبل ساعات كان معانا وعقدنا وتغدينا سوا، كنا مبسوطين كتير، قتلوا قلبي وحبيب روحي".   

 

وتتابع الأم وهي تحاول انتشال ذلك المشهد من تحت ركام الذاكرة:" يوم الجمعة، قعد جنبي وصار يقولى يما بدي أطبع صورة كبيرة لي وأعلقها بنص الدار، سألته ليش يما؟ قلي عشان تضل ذكرى، قلت له الصور حرام، غضب وحكالي والله لعمل الصورة وأعلقها هان".

 

وأضافت والألم يعتصر قلبها:" وعندما وضعت وجبة الغداء جلس معنا، وكنا نتبادل الأحاديث معاً، وفجأة قال: "يما بدي أتجوز" صرنا نضحك، فأجبته" يما بس نجوز الأربعة الأكبر منك"، رد "والله لأتزوج أول واحد فيهم"، قلت له "ماشي يما، الله يسهل عليك تزوج".

 

بعد لحظاتٍ من الصمت، نظرت الوالدة إلى صورة طفلها الشهيد المعلقة بصدر البيت والمزينة بأكاليل الورد، ولسان حالها يردد:" ما كنت بعرف انه بدو يموت، فكرت كلامه عادي، لكن هي صورته زينت البيت زي ما بدو، وتزوج قبل خواته من حور العين". 

 

" أبو شهاب"

 

كلُّ ركن في بيته بدا ساكنًا، صمِت الفرح وتوّسد الحزن، اختفت ضحكاته التي كانت تعلوه، وتوشحت جدرانه بالظلام، حتى سريره الذي كان يحتضنه بات بارداً، غاب الجسد وصعدت الروح لكبد السماء، نادته مآذن الصلاة حزينة لتشييع جثمانه الذي سقط مُخضّبًا الأرض بدمه، ووري الثرى ولم يبقَ من أثره سوى بعض الصور والذكريات.

 

بصوتها الحزين والذي يعترف بأن البيوت تموت اذا غاب سكانها، تقول الوالدة:" كنت دائما أنادي بلال بقلبي، فهو أصغر أبنائي، المدلل، أحب أولادي على قلبي، كان مطيع جداً بلبي كل طلباتي".

 

وتصف طفلها بأنه طيب القلب بشوش الوجه وعلى علاقة طيبة بعائلته، كان طفلاً طموحاً ذكياً متفوقاً بدراسته محبوباً من الجميع  لطيفاً مع أصدقائه وإخوانه يسعى لحل مشاكلهم، كانوا يستشرونه بكل صغيره وكبيرة، كانوا يلقبونهم في المدرسة والحارة "أبو شهاب" لقوة شخصيته، وبالرغم من صغر سنه.

 

موكب التشيع

 

وهناك داخل بيت العزاء، النسوة يبكين من ألم الفراق وصدمة اللحظة التي لم يتوقعن حدوثها رغم الحقيقة السوداء في بيت خيم الحزن على أرجائه، وقلب أم يتقطع وينفطر ألماً على رحيل فلذة كبدها، وصرخات قلوب أحبته وأصدقائه الأطفال  فقدوا  سندهم الفذ، هذه هي قلوب أهل بيته الحاضرة، بعدما وارى جثمانه الثرى.

 

وانطلق موكب التشيع بمشاركة عشرات الالاف من المواطنين من المستشفى إلى منزل العائلة وسط محافظة رفح، لإلقاء نظره الوداع الأخير عليه، قبل مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء.

 

وردد المشيعون هتافات تطالب المقاومة بالرد على جرائم الاحتلال، وشعارات تطالب باستمرارية مسيرات العودة حتى تحقيق أهدافها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق