الاحتلال وإمكانيات الشعوب... زهير ماجد

الاحتلال وإمكانيات الشعوب... زهير ماجد
أقلام وآراء

زهير ماجد

ليس امتلاك القوة يعني الشجاعة، بل هو الخوف من الآخر، وخصوصا عندما يكون مثل إسرائيل مغتصبا لأرض .. ويوم وقفت فيتنام الفقيرة المتهالكة بوجه الغطرسة الأميركية وجبروتها، اعتقد كثيرون أنها مجرد أيام ويرفع الفيتناميون الراية البيضاء، لكن الذي حصل هو العكس .. وفي اليوم الذي فجر الجزائريون إعلان ثورتهم، كان المحتل الفرنسي في ذروة قوته، فلم يستوعب ان ثلة من الفدائيين سوف تقهره وترغمه على الانسحاب .. واعتقد انه لو لم يكن هنالك لعبة تسليم خائنة، لقاتلت بغداد حتى الآن الأميركي، رغم كل قوته وأسلحته الفتاكة.

 

دائما يحضرني المؤامرة على سوريا .. التي تقاتل دولا وتنظيمات دول وضعت لها كل الإمكانيات المتطورة من السلاح المنوع ومن المدربين حتى أسنانهم .. لكن لا أمل فسوريا، والحلم الاستبدادي مقهور حتى لو ربح معركة فهو خاسر في النهاية.

 

كنا نستمع للمرحوم كمال جنبلاط في أكثر من مناسبة بطريقة مباشرة وأحيانا غير مباشرة، كان يروي فيها أفكاره بعد هزيمة العرب في العام 1967، فقد كان يكرر مرات ان لا تخافوا من الاحتلال الإسرائيلي، هذا حدث مرات في التاريخ ثم انتهى، كان يمنح الأمل، لكن تحليله كان حقيقيا، كيان مثل إسرائيل لا يمكنه ان يحتل وهو غير قادر على إملاء الأمكنة التي يحتلها بمستوطنيه .. تصوروا مثلا ان عدد اليهود أصبح ستة ملايين ونصف المليون، فيما عدد الفلسطينيين في العالم تجاوز السبعة عشر مليونا، وفي فلسطين وحدها ما يوازي العدد الإسرائيلي وأكثر، فكيف يمكن لمن لا يستطيع ان ينتصر إلى ما لا نهاية.

 

صحيح ان الأعداد لا تكفي أمام التكنولوجيا المتطورة، لكن القوة المفرطة لا تحسم إلى ما لا نهاية .. يمكن لها ان تحقق في أيام ربحا كبيرا، لكن عناد الشعوب يقهر اكبر القوى وأقواها .. حين انهزمت القوات الإسرائيلية أمام جحافل الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973 وبدا ان قوتها تحطمت، أشار كيسنجر على القيادة الإسرائيلية بتحريك السلاح النووي، وهو سلاح ذو حدين في كيان ما ان يطير عصفور في الجنوب اللبناني مسافة كيلومتر واحد حتى يصبح فوق الأراضي الفلسطينية، وكل نسمة في جنوب لبنان لابد ان تمر في أجواء فلسطين .. حاول الفدائيون الفلسطينيون إبان العمل المسلح اختراق الحواجز والموانع الإسرائيلية المقامة على الحدود مع لبنان، نجحوا مرارا وأحبطوا مرارا، لكن ليس من مسافات بين الحد اللبناني والحد الفلسطيني على الإطلاق.

 

صحيح ان الهزائم تغير من معالم الواقع والإنسان، لكن الانتصار يعيد الثقة ويمسح ذلك التاريخ الأسود .. انتصر الصليبيون مرارا في منطقتنا، لكنهم أيضا هزموا مرات وأكبرها معركة حطين التي دفعتهم إلى التراجع النهائي والدخول في حسابات الطرف المسلم الذي اظهر خياره بعدم الاستسلام، بل بالاستعداد الدائم لقلب الطاولة على المحتل الذي جاء من كل أنحاء العالم حالما بكنوز الشرق وبموقعه الأخاذ.

 

أنا لا أخاف من الاحتلالات ومن كل قوة مفرطة، انتهى عصرها أمام القوة الشعبية وقدراتها وتسلحها بالتضحية مهما غلت .. ولنا في التواريخ المتعددة مرويات كثيرة ستظل منقولة من جيل إلى آخر، وفي التاريخ الفلسطيني نحن مقبلون حتما على صورة سوف يرسمها الفلسطينيون بتراكم تجاربهم التي تصل بهم إلى الثورة الحقيقية النهائية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق