درس في الهجرة... عبد الله الشاعر

درس في الهجرة... عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

 

تمر بنا ذكرى الهجرة أم نمر بها؟ وبين المهاجر والمهّجر شدة قصمت ظهر الأمة، وكسرت ألفها، وتركتها بلا بأس بين الأمم، لا يمكن للفلسطينيّ أن يمرّ على ذكرى الهجرة دون أن يبكي الفرق الشاسع بين الفاعل والمفعول، دون أن يضرب بقبضته على صدره أسى ومرارة، فقد خرج المسلمون من ديارهم إلى ديارهم، وعادوا من ديارهم إلى ديارهم، وهو المعذب بالتيه، المعلق منذ سبعين سنة على مشجب أَخرجوا، تهزه دروس الهجرة كما تهزّ الريح الفزاعات في الحقول، فلا تزيد هيئته إلا رعبا.

 

بين هجرة المسلمين قرارا، وتهجير الفلسطينيين إجلاء وذعرا، تجلت حياة الأمة، وحفرت قبرها، بين تسلل الأفراد وإجلاء شعب، غرقت الأمة في حنكة النجاة، وذل الفر، بين قطيع يمحو آثار أقدام المهاجرين، إلى قطيع ليس فيه ذو قرنين يهاجم الراعي، وبين ثاني اثنين، سجلت السماء قضاءها لبني إسرائيل بأن يأتوا لفيفا.

 

لا يمكن للفلسطيني أن يتجاهل درس الهجرة الأول، فبين طلع البدر علينا، وطلوع الأعداء على جثث أجدادنا سبعين عاما من الجراح، وبين الأنصار وذل الخيمة حكاية أمة عجزت عن حفظ شرفها، فقامت تمزق فرجها كي لا يطأها الطغاة مرة أخرى، وأنى لها أن تغسل كل هذا العار، فلا من وطنوا عدلوا، ولا من ألقوا اللاجئين في العذاب الشديد، كي لا تطيب لهم الحياة فينسوا عارهم صدقوا، وظل الفلسطيني في بلاد الله بلا هوية، عاريا في شعاب الأرض، محاصراً في مخيمات الإخوة، ذائباً في بلدان العالم.

 

حين يذكر الفلسطيني الهجرة، لا يسعه إلا أن يسأل عن هجرته: أين أنصارها؟ فلا رضي الله عنهم أولئك الذين تركوا شجرة الرضوان، وجلسوا في القصور يوم صدق الصهيوني الوعد وملأ الآبار بالدم، ولا رضي الله عنهم يوم عجزوا عن المؤاخاة، وقسموا البلاد إلى مواطن وبدون، ولا رضي الله عنهم يوم جعلوا المخيم سجنا، وكتبوا على أهله السير فوق فضلاتهم لسبعين سنة.

 

في ذكرى الهجرة، يتذكر الفلسطيني أن الهجرة كانت بعدها عودة، وأن العودة لم تأت جزافا، فلنا وعد الآخرة، ومنا عتاد الطريق إليها، بأنصار وبلا أنصار، بزاد أو بغير زاد، فالعودة بعد التيه حقّ، والأرض إذا نزل عليها الدم اهتزت وربت، وأنبتت نصراً كريماً.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق