في ضياء بدر الكبرى... الشيخ نافذ عزام

في ضياء بدر الكبرى... الشيخ نافذ عزام
دنيا ودين

الشيخ نافذ عزام

في الجزء الثاني من الحديث عن بدر الكبرى سنعرض لكيفية تعامل القران الكريم مع المنتصرين والنصر الكبير الذي حققه الله على أيديهم... سنلاحظ أمرا مدهشا حيث أن للقران الكريم لم يكل المديح للمنتصرين، ولم ينصب أفراحا وزينة بل حاول أن يوجه لهم دروسا في الأدب والتواضع وعدم الاغترار..كان القرآن يؤدب المنتصرين وكأن التواضع عند تحقيق الإنجاز هو أفضل وسيلة للحفاظ على ذلك الإنجاز وتطويره.

 

كانت هناك نداءات ستة للمؤمنين المنتصرين وكلها تؤكد النهج العظيم للقران الكريم في تعاطي مع نفوس البشر، ولحظة النصر من اللحظات الحاسمة التي يحتاج فيها المنتصر الى التوجيه والتأديب وليس كما يحدث في حياتنا اليوم، حيث لا توجد إنجازات حقيقية، وينتقل الناس من معاناة الى معاناة،ومن هزيمة الى هزيمة،ورغم ذلك نرى الاغترار، والزهو، وتسويق الأوهام على طول الوطن العربي والإسلامي وعرضه يحدث هذا،ويكاد من يحقق شبة انجاز وليس نصرا حقيقيا كاملا، أن يتحول إلى شبة إله، وهناك من يرفع نفسه ويرفعه اتباعه إلى ما فوق مستوى البشر.. تماما على عكس الصورة التي يرسمها القران الكريم للمنتصرين...

 

النداء الأول (يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير).

ويبدو هذا النداء لأول وهلة غريبا على أسماع الكثيرين، فالصحابة لم يفروا ولم يفكروا بفرار، بل ثبتوا وابدوا بسالة شديدة وانتصروا، فكيف يطالبهم الحق هنا بعدم الفرار ويتوعد الفارين بهذه الكلمات الشديدة القادسية .. الهدف واضح التواضع وعدم الاغترار، والاعتدال في التعامل مع الإنجاز الكبير الذي تحقق.

 

النداء الثاني: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون". يناديهم الله هنا بطاعته وطاعة رسوله وينهاهم عن التشبه بالكافرين .. تأديب شديد للمنتصرين وأنهم بما حققوه سيظلون بحاجة لمزيد من الالتزام بقيم الإسلام، ومزيد من الإصغاء لتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحذرهم من سلوك طريق الكافرين، والمثل المذكور هنا هو الازدواجية في الحياة والتناقض بين الأقوال والأفعال.


النداء الثالث: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنا إليه تحشرون". مرة جديدة يحثهم على الاستجابة لله وللرسول، ويحذرهم من المصير الذي يمضي إليه البشر جميعاً ويحشرون إليه، ويمض أكثر في تأديبهم وضبط مسالكهم "واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب".

 

وفي ذروة الانفعال بالنصر الذي حققوه على الذين أخرجوهم من ديارهم، والذين طالما عذبوهم وضيّقوا عليهم، وحاصروهم بالإشاعات والأكاذيب، وهكذا نصر له مذاق استثنائيّ يتولد معه زهو وافتخار، يردهم القرآن إلى الماضي القريب، ويذكرهم بحالة الاستضعاف التي عاشوا وذاقوا مرارتها "واذكروا إذ انتم قليل مستضعفون في الأرض، تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون".

 

ذكرهم بالأمس القريب، وكأن المراد إبعادهم عن الاغترار والظنّ بأن أحداً لن يستطيع هزمهم. يذكرهم بقلّتهم .. واستضعافهم وخوفهم .. يردهم إلى كنف الله، وأنه الذي آواكم وأيدكم ونصركم ورزقكم.

 

محور الآيات كلها يدور حول هذه الحقيقة، أن كل شيء من الله وما تحقق من نصرٍ فمن الله، وبفضله وتدخله المباشر لدرجة قوله لهم "فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ" ينزع الله كل شيء من أيديهم، ويرده إليه ، حتى لا يطنوا أن مهارتهم وشجاعتهم وتكتيكاتهم هي التي صنعت النصر أراد أن تمنع ظهور القائد الملهم الذي لا يفعل إلا الصواب ولا ينطبق إلا بالحق كما يظهر في زماننا ممن ابتليت بهم الأمة.

 

النداء الرابع :"يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ،وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون" شيء عجيب  هذا الذي يسجله القرآن.. شيء عجيب كان له دخل كبير في كل الانتصارات  التي حققتها الأمة في السابق ، الخطاب للمؤمنين المنتصرين ساعة تحقيق أعظم وأهم انتصار ربما في تاريخ الإسلام كله بهذا الشكل الرادع "لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ، وأنتم تعلمون" هل يستطيع أحد أن يخاطب القائمين اليوم والذين لم يجلبوا للأمة إلا العار والمذلة والخيبة والانكسار بمثل هذا القول "لا تخونوا الله والرسول ، وتخونوا أمانتكم" بل هل يستطيع أحد أن يقول لهم "اتقوا الله" سيصبح كافراً وخائناً وخارجاً عن الصف الوطني ، سيصبح مجرماً يخدم أجندة مشبوهة !!!

 

أم المنتصرون الحقيقيون فلا يشعرون بأي حرج، وقد كانوا لتوهم قد حققوا الانتصار الأهم في تاريخ الإسلام، لا يشعرون بأي حرج والحق يحذرهم "لا تخونوا الله والرسول ، وتخونوا أمانتكم" بل ويكمل "واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم".

 

النداء الخامس : "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ، يجعل لكم فرقاناً، ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم" تأكيد لذات السياق في التأديب والتوجيه وكأن الحق تبارك وتعالى يربط كل شيء بالتزامهم وسلوكهم وفعلهم ، لا شيء يأتي مجاملة ، لا امتياز لأحد حتى لو كانوا صحابة النبي ، لا يكفي الانتماء لذلك التجمع ليصبح جواز مرور إلى الجنة والمجد والشرف..

 

وهو ما يحكم حياتنا اليوم التي تضج بالمظاهر والبهرجة والمجاملات ويصبح مجرد الانتساب لكيان ما أو فكرة ما مبرر لإذلال الناس والمن عليهم، وتملكهم ليصبح مجرد الانتساب جواز مرور للجنة حتى لو غابت الأخلاق حتى لو حدث التعالي على الناس حتى لو تسببت السياسات والبرامج في إنهاك الناس والشعوب وزرع العنت في حياتهم..

 

النداء السادس: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط. تأكيد واضح على شروط المنحة، والتي تبتعد تماما عن المظاهر والأسماء والصيت.. خطاب وبإلحاح للمؤمنين بالالتزام بمعايير وشروط النصر التي لا مكان فيها للمجاملة والعشوائية والكسل لا مكان للكبر والغرور والبحث عن المديح والتصفيق.

 

كان هذا هو مجمل خطاب الله للمنتصرين استخدم فيه المباشرة والتخدير والتخويف من عواقب الأمراض التي تنشأ عادة عند تحقيق الانجازات.

 

وكانت هذه النداءات المتتالية هي الاحتفال الحقيقي بالنصر والمنتصرين وهي درس لكل الأمة بطوائفها ومذاهبها وقومياتها ومكوناتها وأحزابها درس للقراءة والوعي والاقتداء وبدون ذلك ستستمر المتاهة ومعها تستمر معاناة الناس وآلامهم.

التعليقات : 0

إضافة تعليق