تقليص كهرباء غزة والتداعيات: تخوفات أمنية وبحث عن مخرج

تقليص كهرباء غزة والتداعيات: تخوفات أمنية وبحث عن مخرج
سياسي

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة

تتسابق الأحداث والمؤثرات المرتبطة بحاضر قطاع غزة ومستقبله القريب والبعيد، وربما تبدو في ظاهرها تنطوي على تعارضات في اتجاهاتها تثير قلق الغزيين، وأحيانًا تحفز فيهم التفاؤل، وأخرى تزيد لديهم منسوب احتمالات تدهور الأوضاع وصولًا إلى الحرب، فمن صراع حمساوي عباسي فتحاوي، وتصنيف حماس بالإرهاب وحصار قطر بتهم من بينها احتضان وتمويل حركة حماس، وطرد بعض قيادات حماس، ومن جهة أخرى التلميح بإمكانية انفراج العلاقة جنوبًا، سواء من باب استثمار اللحظة أو البحث عن المنفعة المشتركة على هيئة طوق نجاة لإنقاذ الحالة الإنسانية التي باتت على شفا الكارثة؛ وسط كل ذلك وجدت إسرائيل نفسها، وهي اللاعب الرئيسي ليس فقط الأكثر تأثيرًا على حاضر القطاع، بل والذي يملك أجندة واضحة بمستقبل القطاع ويبني استراتيجيته تجاه القطاع وفقها، والتي تقوم اليوم على الهدوء والردع والحصار المتنفس؛ وجدت نفسها مضطرة للتجاوب مع مطلب السلطة بتقليص كمية الكهرباء التي تصل القطاع عبر شركة الكهرباء الإسرائيلية.

 

مطلب السلطة الفلسطينية - الذي أبلغه مسؤول الشؤون المدنية حسين الشيخ لمنسق أنشطة الاحتلال يؤاف موردخاي، قبل عدة أسابيع بتخفيض كمية الكهرباء التي يزود بها القطاع في إطار صراع سلطتي غزة ورام الله - لم تتقبله إسرائيل بالارتياح، بل أثار لدى الكثير الانزعاج والقلق، وربما حاولت إسرائيل ثني السلطة عن قرارها، وحاولت التسويف بتنفيذ تخفيض ساعات الكهرباء حتى اليوم، رغم مصادقة الكابينت الإسرائيلي على الأمر قبل أيام، ويبدو انه لولا إصرار السلطة على الأمر والحملة الخليجية تجاه قطر وحركة حماس وحملة ترامب (على الإرهاب) وتوصيفه حماس بالإرهاب؛ لما استجابت إسرائيل لمطلب السلطة، ولكنها كانت مضطرة حتى لا تبدو وكأنها الوحيدة التي ترفض الاشتراك في الحملة ضد حماس.

 

أمر تقليص إمداد القطاع بالكهرباء، سواء أثناء نقاشه أو بعد إقراره، خلق ولا زال يخلق سجالًا إسرائيليًا على المستوى الرسمي والإعلامي والشعبي، بدأ عندما أعلن وزير البني التحتية يوفال شتاينتس رفضه تلقي أوامر من السلطة الفلسطينية، نعم إنه استعلاء الاحتلال ان يتلقى الأمر من الخاضع لاحتلاله.

 

حساسية الأمر استدعت من نتنياهو - وهو القادر على حسم الموضوع مع وزير الحرب ليبرمان - ان يعقد جلسة للكابينت لنقاش الأمر واتخاذ القرار بعد الاستماع لتقدير موقف وتوصيات الاجهزة الأمنية، فنتنياهو رفض ان يتحمل وحده مسؤولية قرار قد يؤدي إلى تصعيد كبير، ويكون بذلك قد التزم بتوصيات تقرير مراقب الدولة بإجراء نقاشات والبحث في البدائل.

 

معضلة نتنياهو والأجهزة الأمنية الحقيقية كانت «كيف يمكن التوفيق بين الظهور بمظهر من يساعد السلطة ضد حماس، وفي نفس الوقت المحافظة على استمرار الهدوء على جبهة غزة، وعدم تحمل مسؤولية تفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع، لا سيما وأن التقارير الإعلامية والرسمية الدولية تعطي صورة سوداوية عن الظروف الإنسانية في القطاع حتى قبل تقليص ساعات الكهرباء»، وسائل الإعلام المختلفة في إسرائيل انتقدت قرار الكابينت، وتساءلت عن المصالح التي على الحكومة الإسرائيلية ان تمثلها؛ هل هي مصالح السلطة في حربها مع حماس أم مصالح إسرائيل؟ وإذا ما تسبب القرار في اندلاع حرب وسقوط قتلى، فماذا سيقول نتنياهو لعائلاتهم؟

 

لكن الصوت الأعلى رفضًا للقرار كان صوت رؤساء مجالس مستوطنات غلاف غزة، الذين طالبوا بتشكيل لوبي في الكنيست للضغط بتبني سياسات تتيح حياة إنسانية داخل القطاع، فهم يخشون أن يدفعوا ثمن الحرب القادمة كما دفعوا الثمن في الحروب السابقة، وقلقون من ان تبقى مستوطناتهم عبارة عن جبهة حرب ساخنة لا تتيح خلق حياة وظروف اقتصادية طبيعية، وأكثر من رئيس مستوطنة عبّر عن انتقاده للموقف، وفي مقدمتهم حاييم يلين عضو الكنيست عن «يوجد مستقبل» الذي طالب سوية مع رئيس حزبه لبيد بتقديم تسهيلات للقطاع، أما رئيس مستوطنة «بوابة النقب» ايلان شوستر فقال «لا يمكنني ان أفهم الموقف الذي يقف خلف المس بالبنى التحتية التي ستؤدي إلى تدهور الوضع الإنساني، على الحكومة ان تحسن حياة الغزيين وهو أمر لا يتعارض مع الأمن، بل إن قطع الكهرباء هو الذي يؤدي إلى تدهور الوضع الأمني». ولمن يبحث عن احتمالات العدوان فبإمكانه ان يرى في السجال الكبير الرافض لتقليص الكهرباء مؤشرًا لاستبعاد احتمالات العدوان، فلا يمكن لإسرائيل ان تقوم بعدوان دون توفر إجماع يرى في العدوان حرب الضرورة.

 

من جهة أخرى، فنتنياهو الذي أقر مع الكابينت تقليص إمدادات الكهرباء، أعلن ان دولًا أوروبية وأخرى أبدت استعدادًا واهتمامًا بنقاش أمر ان تقوم هي بتعويض نقص تمويل الكهرباء البالغ خمسة عشر مليون شيكل شهريًا، ويبدو ان نتنياهو يشجع هذه الدول على التبرع بالمبلغ المطلوب. وثمة من لا يستبعد ان يكون قرار الكابينت قد تأثر بالأخبار التي تحدثت عن احتمالات انفراج علاقة القطاع مع مصر، وهذا له علاقة بمعادلة عمق الانفراج جنوبًا يناظرها عمق الإغلاق شمالًا.

 

حساسية الظرف وسخونة الحالة الأمنية جعلت قيادة الجيش تنقل مقر اجتماع نتنياهو ووزير حربه مع قيادة المنطقة الجنوبية، من مقر فرقة غزة على الحدود إلى مقر القيادة في بئر السبع، حتى لا تصل لحركة حماس رسائل تصعيدية غير مقصودة.

 

ظروف القطاع تزداد تعقيدًا وتدهورًا، حتى بدون تقليص ساعات الكهرباء، ومشروع بناء الحاجز الإسرائيلي على الحدود سيتسارع في الأسابيع القادمة، واذا ما تأكد تراجع الدور القطري، سواء المتعلق بالتنمية أو الوساطة بين حماس وإسرائيل، وبدون انفراجات على الأقل في الأجواء تبث حالة من التفاؤل؛ فإن إسرائيل تخشى - بل وتتوقع - التدهور، وهذا ما عكسته تقارير كثيرة لمختلف المحطات التلفزيونية الإسرائيلية التي زادت من تغطيتها للقطاع مؤخرًا، ويبدو انها تجد هامشًا من الحرية داخل القطاع يسمح لها بالتغطية.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق