ليلة القدر والدور المفقود للقيم التي جاءت لها

ليلة القدر والدور المفقود للقيم التي جاءت لها
دنيا ودين

الشيخ: نافذ عزام

دخلنا الأيام التي هي بلا شك أيام العمر، وهي أكثر أيام رمضان بركة، فيها الليلة التي تساوي ألف شهر من الخير والعبادة والاجتهاد.

 

هي الليلة التي بدأ نزول القرآن فيها، والقرآن غيّر حياة الإنسان، بل غيّر وجه الأرض «إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين، فيها يُفرق كل أمر حكيم، أمراً من عندنا، إنا كنا مرسلين، رحمة من ربك، إنه هو السميع العليم»، «إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزّل الملائكة والروح فيها، بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي مطلع الفجر».

 

إذاً هي ليلة تستحق الانتظار، وتستحق الاحتفال، فالأمم عادة تحتفي بأيامها والمناسبات التي تركت بصمة في حياتها وتاريخها، وليلة القدر شهدت أول نزول للقرآن، أي كانت بمثابة ميلاد الأمة الجديدة التي أوكل الله إليها حمل رسالة الحق والخير والعدل والسلام، ووضع بين أيديها مهمة حماية هذه القيم التي تضمن قيام عالم متوازن، وحياة نظيفة، ومثل القرآن ومعه السنة المفسّرة له والمكملة لهديه، خير ضامن لهكذا عالم، ولذلك نرى التركيز القرآني على هذه الليلة التي افتتح الإسلام فيها تاريخا جديدا للإنسانية كلها، وليس فقط لمن يؤمن به، فأطلق عليها هذه الأوصاف الموحية «ليلة مباركة»، «فيها يُفرق كل أمر حكيم»، «رحمة من ربك»، «خير من ألف شهر»، « سلامٌ هي حتى مطلع الفجر».

 

فكيف يتعامل المسلمون مع ليلة بهذه الأهمية والقداسة؟ وما هو تأثير ليلة القدر في حياتنا؟ السؤال الذي تقودنا إليه تلك الأسئلة، ما هو دور القرآن في حياتنا؟ ومدى ارتباط الليلة التي بدأ نزوله فيها، بعمل القرآن في تغيير الواقع، وتهذيبه وضبطه؟.

 

لقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التماس ليلة القدر واغتنامها في تكثيف العبادة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر»، وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان».

 

يحث النبي صلى الله عليه وسلم في كل تلك الروايات على الاجتهاد في العبادة، والاستنفار بحثا عن الخير.. فهل يقصد النبي مزيدا من الصلاة والدعاء وقراءة القرآن؟ من المؤكد أن الإسلام قدم المضمون على الشكل واهتم اهتماما كبيرا بفاعلية أي عمل يقوم به الإنسان، فالمقصود إذا من خلال إعطاء ليلة القدر هذا الاهتمام، هو الدفع باتجاه تعزيز دور القرآن الذي كان جوهر ليلة القدر ومحورها الأساسي، وتعزيز دور القرآن لا يتم بتكثيف تلاوته في ليلة القدر أو غيرها من ليالي رمضان، بل بالتخلق بقيمه والالتزام بهديه بحيث يصبح فعلا الموجه الأكبر والأهم بسلوك الإنسان وحركة الحياة بشكل عام وإذا وقفنا فقط عند المصطلحات التي أطلقها الحق تبارك وتعالى على ليلة القدر، أو وردت في سياق الحديث عن تلك الليلة مثل: (ليلة مباركة- فيها يُفرق كل أمر – رحمة من ربك- خير من ألف شهر- سلام هي حتى مطلع الفجر)، سنكتشف الوجهة التي يدلنا عليها الحق تبارك وتعالى والتي يُفترض أن تشكل برنامجنا في ليلة القدر، وفي الحياة كلها، وبالتالي نقارن ذلك التصور المليء بالإيحاءات، بالواقع الذي نعيشه وتعيشه الأمة.

 

هل الرحمة تطبع حياتنا، وعلاقاتنا ببعضنا؟ أم أن القسوة هي السمة العامة لسياساتنا ومواقفنا، هل الآمر الحكيم هو الذي يسود واقعنا، ويغلف برامجنا أم أن التخبط والعشوائية والفوضى والجنون هي التي تشكل إطار الأحداث في ديارنا؟ هل السلام هو القاعدة والهدف والخطة، أم أن الصراع والعنف وإشعال الحرائق وبث الكراهية هي الأدوات التي تحكم واقع الأمة؟

 

 ماذا يعني الاحتفال بليلة القدر إذا كانت أهم سماتها مفقودة؟ كيف سيقتنع الملايين من المسلمين أن ليلة القدر؟ تعني تعزيزا للرحمة، والحكمة، والسلام، وهم يكتوون بنار سياسات ومسالك تنضح بالقسوة والفظاظة؟، كيف سيشعر ملايين المسلمين من الذين يجبرون على اللجوء والنزوح بمعنى السلام الذي يمثل شعار ليلة القدر للأسف نحن مسخنا كثيرا من شعائر وطقوس ديننا، وقصرناها على بهرجة كاذبة وشعارات مضللة، وهذا بالضبط ما يسبب الأزمات والصراعات والمآسي التي تعصف بحياة المسلمين وتتلاعب بمصائرهم.

 

نتمنى أن يُخيب قادة الأمة وزعماؤها ظنوننا فيهم، ويوقفوا على الأقل في ليلة القدر، هذا العنف المجنون، وهو أيضا خطاب لكل التيارات التي تشارك فيما يجري!

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق