مؤتمر "وارسو" بين العدو الوهمي والثمن المطلوب... جبريل عودة

مؤتمر
أقلام وآراء

جبريل عودة

مؤتمر « وارسو « الذي دعت له الولايات المتحدة الأمريكية ، يبدأ أعماله غدا (12-2) وعلى مدار يومين، يشارك في المؤتمر أكثر من (40) دولة ، بينهما (12) دولة عربية أبرزها السعودية والإمارات ، اللتان تشاركان بوزيرا خارجيتهما جنبا إلى جنب مع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتانياهو ، في أول لقاء تطبيعي رسمي على هذا المستوى ، العنوان الرئيسي للمؤتمر الذي تحتضنه العاصمة البولندية ، وكما أعلن وزير الخارجية الأمريكي هو تعزيز الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط والتصدي للممارسات الإيرانية ، وهذا عنوان تتحمس له الدول الخليجية كحجة تبريرية لخطواتها التطبيعية مع الكيان الصهيوني أمام شعوبها ، تلك الشعوب التي تم شحنها إعلاميا ، وبشكل مركز ضد ما يطلق عليه الخطر الإيراني .

 

يأتي المؤتمر في إطار تمرير صفقة القرن الأمريكية ،حيث يشارك عرابها جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس ترامب ،حيث سيتحدث عن الملامح العامة لخطة صفقة القرن، والتي تهدف إلى طمس القضية الفلسطينية وشرعنة الكيان الصهيوني ودمجه في المنطقة ، عبر تشكيل حلف أمريكي عربي صهيوني ، لمواجهة العدو الوهمي ممثلا بإيران ، ولو كان ثمن ذلك التفريط بالحقوق والثوابت الفلسطينية ،وخذلان تطلعات شعبنا في العودة والحرية والانعتاق من الاحتلال .

 

مما لاشك فيه بأن المشاركة العربية في مؤتمر « وارسو» ، تعتبر اعترافا رسميا بكيان الاحتلال عبر الجلوس على طاولة تشاورية مع قاتل الأطفال نتانياهو ، وهذا الحدث الخطير يشكل اختراقا كبيراً في الموقف العربي الرسمي ، الذي يلتزم بدعم ومساندة القضية الفلسطينية وأن لا شيء يمكن قبوله في العلاقة مع « إسرائيل « الا بعد أن يوافق الفلسطينيون أنفسهم على ذلك ، علما بأن السلطة الفلسطينية تقاطع مؤتمر «وارسو» وتعتبره معادياً للحقوق الفلسطينية .

 

استحضار فزاعة إيران ، في إطار عملية تغيير الأعداء في المنطقة ، التي كانت تعتبر عدوها المركزي ممثلاً بالكيان الصهيوني الاستيطاني على أرض فلسطين ، حيث يشكل الاحتلال الصهيوني خنجرا مغروساً في قلب الأمة العربية ، يدنس مقدساتها ويعتدي علي شعوبها وثرواتها ، وانحراف بوصلة العداء المركزي نحو إيران ، لا يخدم استقرار المنطقة وهذا ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية من أجل استنزاف الدولة العربية مالياً تحت ذرائع الحماية العسكرية وشراء السلاح ، وهذا ما أصبح واضحاً في علاقة إدارة الرئيس ترامب مع الدول الخليجية على وجه الخصوص ، ولماذا نجعل أمريكا هي التي تحدد لنا عدونا ، إذا كان لابد أن نتخذ لنا عدواً فإن العدو الصهيوني هو أولى بالعداوة من غيره ، إما فيما يخص العلاقة بإيران فإن متطلبات مواجهة سياساتها في المنطقة له مساراً أخر غير الانحراف باتجاه الكيان الصهيوني والتحالف معه ، فليس بالضرورة أن يكون الاعتراف بـ «إسرائيل» والتطبيع معها بوابة اتقاء الشرور الإيرانية ، والغريب أن أنظمة الخليج بما فيها السعودية تقدم الدعم المادي للعراق وتُقيم معه العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وهي تعلم علم اليقين حجم التأثير الإيراني على السياسات العامة للعراق ، كما شاهدنا مؤخراً حملة تطبيع العلاقات مع النظام السوري التي قامت بها دولا خليجية بهدف مقاومة الخطر الإيراني ، ولا يخفى على أحد حجم التدخل الإيراني على الأرض السورية ، فلماذا هذا التناقض الحاد في السياسات العربية الرسمية ، أم أن الأمر لا يعدو كونه توجيهات من جهات عليا تفرض على الأنظمة العربية الاعتراف بـ «إسرائيل» وتطبيع العلاقات معها ؟!.

 

العرب دائما هم الخاسرون ، ولترامب مآرب عدة ، الرابح الأبرز من مؤتمر «وارسو» هو نتانياهو سواء كان ذلك إنجازاً لـ « إسرائيل» بتحقيق هذا التحالف العربي الأمريكي في مواجهة المخاطر الوجودية التي يتعرض لها كيان الاحتلال ، وهي عقدة تلازم الصهاينة لإيمانهم بأن كيانهم مُكون غريب وطارئ على المنطقة ، وسيتم لفظه إلى خارجها في حالة استعادة المناعة العربية قوتها ، كما يشكل مؤتمر «وارسو» دعاية انتخابية لنتانياهو بتحقيقه اختراقا في التطبيع مع الدول العربية ،وهو أحد الشعارات الانتخابية التي يرفعها حزب الليكود.

 

كفلسطينيين لماذا لا يكون مؤتمر « وارسو» وخططه الخبيثة التي تستهدف قضيتنا ، أمام هذا التقاعس والتواطؤ والخذلان ، علينا أن نلوذ بوحدتنا الوطنية ،لن نستطيع مواجهة المؤامرة متفرقين ، تأبى العصي إذ اجتمعن تكسرا ، وفلسطين جرحنا الذي يوحدنا ، وجرحنا الذي لا يشعر به الا نحن بالدرجة الأولي ، لا يؤلم الجرح إلا من به ألمُ ، أليس كل ذلك مدعاة لنا من أجل استدراك ما فات ، والعمل على وجه السرعة في ترتيب البيت الفلسطيني عبر تعزيز الوحدة الوطنية ،وسحب الاعتراف وإعادة صياغة الرؤية السياسية الوطنية التي تحفظ الحقوق ،وتضمن استعادة المقاومة الشاملة كخيار استراتيجي لشعبنا على طريق تحرير الأرض وتطهير المقدسات ، وإعلان الكفاح الثوري في كافة أماكن تواجد شعبنا تمهيداً للعودة إلى فلسطين .

التعليقات : 0

إضافة تعليق