غزة والخيارات الصعبة ... احمد عبد الرحمن

غزة والخيارات الصعبة ... احمد عبد الرحمن
أقلام وآراء

احمد عبد الرحمن

يبدو ان ليل غزة الطويل ما زال يسدل ستائره الحالكة ويحجب عنها بصيص النور الذي ترنو إليه بشوق ولهفة. فهذا الليل الكالح الذي احكم قبضته على غزة وشعبها المظلوم بفعل تكالب الأعداء وخيانة بعض الأعراب وتناحر الأشقاء لم يترك مجالا لبقعة ضوء خافتة قد تعيد الأمل للمحاصرين والمنكوبين والفقراء. فالمعاناة التي تضرب بأطنابها جميع مناحي الحياة الغزيين تكاد تعصف بما تبقى لديهم من بصيص أمل بأن تنصلح الأمور وتتحسن الأحوال وتعود المياه إلى مجاريها على أقل تقدير كما قبل الانقسام البغيض وما تبعه من حصار وتجويع وضغط متواصل على كافة الصعد. وللأسف الشديد رغم عديد المحاولات التي جرت وما زالت لرأب صدع البيت الفلسطيني الداخلي إلا أن هذا الصدع يستمر بالاتساع كأنه بركان يصعب السيطرة عليه أو كبح جماحه. ولم تفلح اتفاقات مختلفة أسماؤها  وأماكن توقيعها في الحد من اتساع رقعته وزيادة تأثيراته السلبية على الجميع بدون استثناء .

 

فمن مكة المكرمة واتفاق فبراير 2007 م إلى سبتمبر 2009 م والورقة المصرية وصولا إلى اتفاق القاهرة في ديسمبر 2011 م ومرورا بالدوحة 2012 م واتفاق الشاطئ ابريل 2014 م وختاما بالقاهرة أكتوبر 2017 م كلها اتفاقات وتسويات ثنائية فشلت بجدارة في إيجاد مخرج من الأزمة الراهنة بل ربما عمقتها بشكل أوسع وأكبر . ولكي تكتمل معاناة أهل غزة وتزيد الصورة قتامه مرت غزة خلال الأعوام العشرة الماضية بأشكال مختلفة من العدوان الإسرائيلي بدأ بالمجزرة الوحشية في عام 2008-2009 م وتلته مجزرة أخرى عام 2012 م وصولا للعدوان الكبير والوحشي عام 2014 م والذي يبدو أنه لن يكون الأخير على مستوى الحجم والنتائج والأبعاد. حتى خلال فترات التهدئة وقعت الكثير من المواجهات المحدودة في توقيتها والمؤثرة في نتائجها خصوصاً على مستوى جعل المقاومة في غزة في حالة استنفار دائم مما قد يؤثر على خططها الإستراتيجية التي تحتاج فترة هدوء واستقرار تمكنها من العمل دون ضغط وتهديد .

 

ورغم الصمود الأسطوري الذي سجله الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة على اختلاف مسمياتها أثناء التصدي للعدوان بمختلف مراحله وتقديم التضحيات الجسام من أرواح عزيزة وإمكانيات مهمة وبنية تحتية من الصعب تعويضها إلا أن ذلك لم يفلح في إيقاف النزيف الداخلي المستمر وأصبحت بعض نتائج تلك التضحيات مادة للابتزاز والمساومة كما حدث في عملية إعادة الإعمار بعد عدوان 2014م على سبيل المثال . وبعد ذلك وكأن غزة لم ترتوِ بعد من نهر المعاناة وبحر الألم حتى زاد على ذلك حصار الأشقاء لها بإغلاق الحدود والمعابر ومنع الدواء والعلاج ولو استطاعوا منع الهواء لمنعوه دون أدنى ذرة من ضمير أو رحمة . ونتيجة لما تقدم من أسباب المعاناة والقهر وصلت غزة ومن فيها إلى حالة من الموت السريري الذي ينتظر أن يقوم طرف بعيد وربما قريب بفصل أجهزة التنفس الاصطناعي حتى يعلن عن الوفاة بشكل رسمي ومؤكد .

 

ولكن وللعجب هذه الوفاة التي يمكن أن تصبح أمنية لدي البعض  للتخلص من معاناته وألمه الذي لا يُطاق يتم التحكم بها من البعض حين يمنحون أهل غزة بعض الهواء على فترات وتحت إشراف العدو وبشروطه وإملاءاته وتوقيتاته ويحاولون بذلك بث مزيد من الفرقة بين أبناء الشعب الواحد الذي أصبح هم جزء كبير منه توفير قوت أبنائه ولقمة عيشهم حتى وإن كانت مغمسة بالذل والمهانة . وفي ضوء هذا الكم الهائل من المشاكل والأزمات لا بد من وقفة جادة من جميع الأطراف بدون استثناء ينتج عنها قرارات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع وأن تنفذ بدون تردد وبدون حسابات . ورغم ان الخيارات محدودة جدا بسبب التعقيدات الصعبة على مستوى الإقليم والمشاكل المتراكمة على مستوى الداخل إلا أننا نستطيع ان نتلمّس بعض الحلول ولو كانت جزئية للخروج من هذا النفق المظلم . ومنها بناء شراكة حقيقية بين قوى المقاومة كافة على مستوى اتخاذ القرار وتنفيذه بدون تفرد أو استئثار من احد ، وأن تكون الشراكة في السراء والضراء على حدٍ سواء حتى يشعر الجميع بمسئولية اتخاذ القرار من جهة ومن نتائجه وفوائده من جهة أخرى ، فمن أهم أسباب فشل التحالفات والشراكات دفع البعض للثمن عند المحنة وعدم الاستفادة عند المنحة . وأيضا من الحلول المقترحة توسيع قاعدة التحالفات الإقليمية والدولية بشكل عابر للون والعِرق واللغة والطائفة وتوسيع دائرة الحوار مع الجميع بدون استثناء.

 

وفي الختام أقول إن غزة بحاجة ماسة من خلال جهود المخلصين للخروج من غرفة الإنعاش وان تُنزع عنها أجهزة التنفس الاصطناعي التي كبلتها وجعلت منها رهينة لحسابات إقليمية حينا ونزوات ومصالح داخلية حينا آخر . المسكنات غير مجدية  في وضع كالذي تحياه غزة واستمرار الرهان على حسن نيات البعض في الإقليم لا يجدي نفعا في ظل عدم وجود رفاهية الوقت لدى أهل غزة الذين تكاد الأزمات والنكبات تلجمهم حتى الاختناق . سواعد أبناء غزة على اختلاف توجهاتها كفيلة إن أطلق عنانها بدون قيود ان تغير الواقع المر الذي يحياه الشعب المظلوم وأن تقلب الطاولة على رؤوس الجميع بدون استثناء ولنا في تجربة مسيرات العودة خير شاهد . لا قرع الأواني الفارغة يمكن ان يُنتج لنا طعاما ، ولا طحن الهواء يملأ البطون الجائعة ، دون فعل جدي ومؤثر لن يعود لغزة مجدها وسؤددها المفقود ، دون ذلك سنبقى أسرى لأولئك المتحكمين بأجهزة التنفس الاصطناعي الذين قد يصلون في نهاية الأمر لحالة من الملل من تكرار لعبتهم السخيفة ويتركوا المريض ومصيره المحتوم .

التعليقات : 0

إضافة تعليق