عناصر تأجيج العداء للإسلام والمسلمين والعرب... د. عبد الستار قاسم

عناصر تأجيج العداء للإسلام والمسلمين والعرب... د. عبد الستار قاسم
أقلام وآراء

د. عبد الستار قاسم

فتح العالم عيونه على اتساعها من هول المجزرة التي نفذها مجرم ضد المصلين في مساجد نيوزيلندا وانبرى كثيرون للتعليق على ما جرى وأسبابه والأرضية الفكرية والثقافية والعنصرية التي ينطلق منها. وبالتأكيد سيذكر الباحثون والمعلقون أسبابا كثيرة ذات أثقال متنوعة.

 

وهنا أجتهد رأيي في موضوع العداء المتصاعد للإسلام والمسلمين، ذاكرا ما أراه أهم الأسباب. نذكر جميعا كيف انبرى صهاينة العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لتشويه العرب والفلسطينيين والمسلمين وذلك لاستدرار مزيد من التأييد لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. كان من الضروري رسم صورة قبيحة جدا للعرب لكي يكون هناك مبرر قوي لإحلال أناس “متحضرين” منحدرين من الثقافة الغربية مكان همجيين عرب يسكنون فلسطين التي هي الأرض المقدسة. وقد روج الصهاينة ومعهم كثيرون من اليهود الذين لم يكونوا قد تصهينوا إلى ما أسموه العرب الحيوانات أصحاب الأذناب. كانوا يقولون إن للعربي ذنبا طويلا تخفيه ملابسه، وكان يطلب بعضهم من العربي أن يخلع ملابسه ليروا ذنبه.

 

وروج هؤلاء لوحشية المسلمين الذين يسيطرون على الأرض المقدسة ويدنسون المقدسات اليهودية والمسيحية. ولاقت هذه الدعاية رواجا كبيرا في الدول الغربية، وشجعت الدول الاستعمارية على اتخاذ إجراءات ومواقف معادية للعرب والمسلمين كان على رأسها التحكم بإرادة العرب والمسلمين من خلال تنصيب حكام يأتمرون بأوامر الغرب وينتهون بنواهيه.

 

لقد شوهوا التاريخ العربي والإسلامي الذي احترم مقدسات الآخرين وحرياتهم الدينية. إنهم لم يذكروا كيف حافظ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على كنيسة القيامة وكل المقدسات المسيحية في الديار السورية، ولم يذكروا حماية المسلمين لكل تراث ديني سواء كان إسلاميا أو غير إسلامي. وعملوا دائما على استغلال أعمال غير لائقة تصدر عن أفراد أو جماعات شاذة للتشهير بالعرب والإسلام والمسلمين.

 

مهدت الدعايات الصهيونية واليهودية المتصهينة أرضية خصبة لفنانين ورجال دين وأكاديميين ومثقفين وسياسيين ونشطاء اجتماعيين للنيل من المسلمين والإساءة لهم. وأذكر بحثا أجريته وأستاذ أمريكي عام 1973 عن رد فعل مدرسي التاريخ في المدارس الأمريكية عندما يسمعون كلمة عربي أو مسلم، أو عندما يسمعون كلمة يهودي. ألصق معلمو التاريخ أبشع الصفات وأقذعها وأحطها بالعرب والمسلمين وقالوا إنهم جبناء همجيون انتهازيون وغدارون يحتقرون النساء ولا يقولون صدقاء ولا عهد لهم ولا ميثاق ويشربون النفط. أما بالنسبة لليهود فكانت الصورة مغايرة تماما إذ وصفوهم بالشجاعة والتحضر والأخلاق الرفيعة والوفاء والصدق. فقط رد واحد أجاب بكلام غير قيمي عندما كتب إن أنوف اليهود كبيرة.

 

الدول الاستعمارية وبالتحديد بريطانيا وفرنسا بذلت جهودا كبيرة في تحقير العرب ورسم صورة بشعة عنهم، ووفرت الأجواء المناسبة للباحثين المستشرقين للإساءة للإسلام والمسلمين. بحثت الدول الاستعمارية عن مبررات لاستعمار العرب والسيطرة على ثرواتهم، وكانت صناعة ثقافة احتقار العرب والمسلمين الأكثر نجاحا لتأييد الاستعمار وقمع الشعوب العربية والإسلامية. التحريض ضد العرب والمسلمين لم يتوقف يوما، وتبنته فئات مثقفة وأحزاب وأحيانا حكومات ورئاسات جمهورية ورجال دين وفنانون وأدباء وإعلاميون. لكن حدة التحريض كانت تفتر أحيانا بخاصة عندما لم يكن العرب والمسلمون في صدارة نشرات الأخبار. لكن الحدة ارتفعت إلى مستويات قياسية بعد أحداث 11/ أيلول 2001. ومنذ ذلك الحين، من الممكن رصد العوامل الأكثر تأثيرا في إشعال فتيل الحرب على المسلمين بالتالي:

 

ـ أولا: القادة السياسيون في الدول الغربية، والذين ما زالوا يحرضون ضد المسلمين وعلى رأسهم الآن المجرم الإرهابي دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. تزعم قادة فرنسا بداية التحريض ضد المسلمين، ووقفوا بقوة ضد المرأة المسلمة وما يعرف بغطاء رأسها. الدولة التي انطلقت ثورتها عام 1789 من أجل الدفاع عن حرية الإنسان وقفت ضد حرية المرأة المسلمة في ممارسة قناعتها الدينية، وألحقت بها الأذى والإهانات وعرضتها للملاحقات على المستويين الشعبي والرسمي وفرنسا هي التي أغلقت مساجد ومنعت إكمال بناء مساجد. ولم يكن الرؤساء الفرنسيون بمنآى عن هذه الأعمال القمعية المناقضة لكل مبادئ الديمقراطية وحرضوا ضد الوجود الإسلامي في أوروبا. وأعمال فرنسا حرضت دولا أوروبية أخرى لاتخاذ قرارات معادية للمسلمين بخاصة المسلمات.

 

لحقت دول مثل هولندا والدانمارك وبلجيكا بالركب وتحمست لوضع قوانين وتعاليم تعتدي على القناعات الإسلامية. وظهرت أحزاب أوروبية تحمل لواء العداء للإسلام وتحشد الطاقات لمواجهة الوجود الإسلامي في أوروبا. علما أن المسلمين بخاصة الأتراك والعرب المغاربة والجزائريين ساهموا مساهمات كبيرة في بناء الاقتصاد الغربي.

 

قادة غربيون يتهمون المسلمين بالإرهاب بحجة أن هناك تنظيمات إسلامية مارست الإرهاب وقتلت مدنيين دون تمييز وذلك لتحقيق أهداف سياسية وزعزعة حكومات. لكن من الواضح أن قادة الغرب ليسوا أبرياء من صناعة الإرهاب لأن بعضهم هم الذين شكلوا بعض هذه التنظيمات بالتعاون مع حكام عرب، والقاعدة هي إحدى هذه الأمثلة والتي اتهمت بتفجيرات نيويورك.

 

ودول الغرب بالتعاون من دول عربية مثل السعودية والأردن وقطر والإمارات قدمت مختلف أنواع الدعم للتنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا والتي كانت تعمل باسم الإسلام. ووفق اعترافات وزير الخارجية القطري السابق، انفقت الدول العربية حوالي 137 مليار دولار أمريكي لصالح الإرهاب على شكل تمويل وشراء أسلحة ومركبات، الخ. هم يصنعون الإرهاب ويتهمون الإسلام به.

 

ـ ثانيا: الإعلاميون الغربيون وتوابعهم من مثقفين وأكاديميين ورجال دين. دائما الإعلام الغربي يتجاوب مع تهم الإرهاب الموجهة للمسلمين، ولا يتوقف عن اجتهاداته بوصف الإسلام بدين القتل والإجرام وسفك الدماء. الإعلام الغربي يركز كثيرا على تصوير المسلمين بالوحشية والهمجية  والعنصرية وتكفير الآخرين واستباحة أعراضهم وأموالهم ونفوسهم. وهو إعلام يفتح المجال لكل الحاقدين على الإسلام والمسلمين ليدلوا بدلوهم، وليخترعوا من لدنهم صفات لا علاقة للإسلام بها.

 

وقد روج الإعلام للكثير من المقالات والتعليقات والرسومات التي تسيء للإسلام ورموزه وتعاليمه. ودائما يستغل الإعلام مواقف مسلمين تجاه المرأة ليعتبره رمز تخلف المسلمين وعجزهم عن مواكبة الحضارة العالمية. والإعلام يفتح صفحاته وشاشاته أمام من يظنون أنهم يعرفون الإسلام ويمتلكون ما يكفي من المعلومات عنه لتشويهه وربطه بأسوأ الأخلاقيات.

 

ـ ثالثا: بعضنا يقدم بسوء أعماله الهدايا للحاقدين على الإسلام. منا من يذهبون إلى الغرب ولا يعجبهم من الإسلام إلا تعدد الزوجات وكثافة الملابس التي يجب أن ترتديها المرأة. إنه لا يبدأ بشرح أخلاق الإسلام التي يمكن أن تثير إعجاب المستمعين، وإنما يبدأ بممارسات تكرس انطباعات غير جيدة عن الإسلام. والأهم من ذلك أن هذا البعض يقوم بممارسات قبيحة تنعكس سلبا على الدين الإسلامي. هناك من يكذبون ويسرقون، وهناك شهوانيون ويدمنون على ملاحقة النساء وعلى تناول المشروبات حتى الثمالة وفقدان الذات. وهناك من يقصرون كثيرا بدراساتهم، ويلجأون إلى التحايل والخداع والغش. وقد رأيت من هذا الكثير عندما كنت طالبا في الولايات المتحدة.

 

هناك من المسلمين من يصر على الظهور بمظهر لا يعطي صورة جيدة عن الإسلام لدى الثقافة الغربية. مثلا يمكن أن يخرج إلى الشارع بملابس رثة وغير نظيفة وبشعر رأس ولحية طويلة لا يبدو عليها الوقار والهيبة. أو من الممكن أن يسير في الشارع وهو ينظف أسنانه وأنفه بطريقة غير مريحة فيعطي عن المسلمين انطباعا غير جيد. الإسلام من أكثر الأديان حرصا على النظافة والطهارة، لكن بعض المسلمين يتصرفون بطريقة مهينة.

 

هذا فضلا عن أن بعض التنظيمات الإسلامية تتبنى الإرهاب، وتعلن عن عملياتها الإرهابية التي تتم بطرق وحشية مثل الذبح أو الإحراق أو التقطيع والمجني عليه ما زال حيا. هناك أعمال إجرامية تقوم بها بعض التنظيمات باسم الإسلام، وهي تنظيمات أساءت لكل المسلمين على المستوى العالمي. وكل عمل قبيح يظهر على شاشات التلفاز يحتاج إلى آلاف القنوات التلفازية وآلاف المثقفين والدارسين والباحثين المسلمين لاحتواء آثاره السلبية. وكما أسلفت أعلاه، حكام عرب وغربيون معنيون بهذه التنظيمات من أجل الإساءة للإسلام.

 

ـ رابعا: الحكام العرب ليسوا أقل سفاهة وانحطاطا من حكام الدول الغربية. الحكام العرب إرهابيون وهم يسيئون للعرب والمسلمين بممارساتهم القمعية الدموية. ويكفي ما قامت به السعودية أو ولي عهدها أبو منشار ضد الصحفي جمال خاشقجي لتلطخ وجوه العرب والمسلمين. وقد تساءل الإعلام الغربي عمن يمكن أن يقوم بهذه الجريمة الشنعاء غير العرب والمسلمين. وهذه دولة تحتضن الحرمين الشريفين.

 

الحكام العرب يتعاونون مع حكام الغرب في تربية التنظيمات الإرهابية ورعايتها وتمويلها وتزودها بما يلزم من أدوات ومعلومات. والحكام العرب هم الذين يلاحقون التنظيمات الإسلامية بدون تمييز بين من يحاول إيصال الفكرة وبين الذي يمارس القتل والتكفير وسفك الدماء.

 

لقد اقتنع حكام العرب أن كل من يدعو إلى الإسلام إرهابي يجب القضاء عليه. وفي هذا هم يتعاونون مع المخابرات الغربية. ولا يمتنع حكام العرب عن ذم كل الحركات الإسلامية عندما يزورون الدول الغربية، وبذلك يدعمون الذين يناهضون الإسلام والمسلمين. وأحيانا تكون عبارات حكام العرب ضد الإسلام والمسلمين أشد قسوة من تعليقات حكام الغرب. وحكام العرب دعوا حكام الغرب ليتجرأوا على حركات المقاومة الإسلامية في المنطقة العربية ويصفونها بالإرهابية. أهل الغرب وحكام العرب يصنفون حركات المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني مثل حزب الله وحماس والجهاد  ضمن قوائم الإرهاب. ولا إرهاب إلا هم الذين يقمعون شعوبهم ويسفكون الدماء ويبددون الثروات على الشهوات. حركات المقاومة بالنسبة لهم إرهاب بينما الاحتلال الصهيوني دفاع عن النفس.

التعليقات : 0

إضافة تعليق