انتفاضتا الحجارة والأقصى مثالا!

مسيرات العودة في ميزان الربح والخسارة... أحمد عبد الرحمن

مسيرات العودة في ميزان الربح والخسارة... أحمد عبد الرحمن
أقلام وآراء

أحمد عبد الرحمن

من البديهيات والمسلّمات التي لا ينكرها عاقل أن لكل عمل نتيجة .. ولكل زرع حصاد .. وما من طريق يسلكه المرء في حياته إلا وكان له من ورائه هدف يريد تحقيقه ، ونتيجة يريد الوصول إليها ، ولذلك يحرص الجميع في أرجاء المعمورة وعلى اختلاف معتقداتهم وتوجهاتهم على تقييم تجاربهم وخطواتهم في شتّى المجالات وما النتيجة التي وصلت إليها، ومقياس الربح والخسارة من وراء هذه التجربة .

 

وبناءً على ما تقدم أحببت أن أستعرض باختصار في هذا المقال حدثين هامين ومؤثرين في تاريخ الشعب الفلسطيني وربما في تاريخ المنطقة انطلاقا من مبدأ الربح والخسارة في الجانب السياسي تحديدا ، لأن هناك نتائج  اخرى كثيرة لهذين الحدثين على مستويات اخرى لا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة ، وهذان الحدثان هما انتفاضة الحجارة عام 1987م وانتفاضة الاقصى عام 2000م  ، ومن ثم سننظر من نفس الجانب لحدث مهم ومؤثر ولا يزال مستمراً وهو مسيرات العودة الكبرى التي يشارف عامها الاول على الانتهاء .

 

الحدث الاول كان في عام 1987م حيث انتفض الشعب الفلسطيني في وجه المحتل الصهيوني نتيجة احداث متعددة وقعت في تلك الفترة بداية بمعركة الشجاعية الشهيرة  وصولا إلى استشهاد العمال الفلسطينيين نتيجة دهسهم من قِبل سائق شاحنة صهيوني ، وقد أُطلق على تلك الانتفاضة في حينها اسم « انتفاضة الحجارة « ، وقد توقفت هذه الانتفاضة نهائيا عام 1993م بعد ان قدم الشعب الفلسطيني حوالى 1300 شهيد والاف الجرحى والاسرى وعانى الكثير من اشكال القهر والقمع والإجرام التي ارتكبها العدو بحقه وكان ابرزها سياسة تكسير العظام .

 

ولكن للأسف على المستوى السياسي كانت نتيجة هذه الانتفاضة المباركة توقيع اتفاق أوسلو المشئوم الذي أدى بعد سنوات من توقيعه إلى انقسام الشعب وانفصال الوطن وكوارث ومصائب لها أول وليس لها آخر .

 

أما الحدث الثاني فهو «انتفاضة الاقصى» عام 2000م التي جاءت ردا على اقتحام « أرئيل شارون « للمسجد الاقصى ، واستمرت هذه الانتفاضة التي تميزت بتصاعد وتيرة العمل المسلح لا سيما العمليات الاستشهادية خمس سنوات قدم فيها شعبنا الوفي حوالي 4412 شهيدا واكثر من 48000 جريح ، فيما سجلت الخسائر الصهيونية المعترف بها رسميا ازديادا ملحوظا وصل إلى 1069 قتيلا ما بين جندي ومستوطن وحوالي 4500 جريح .

 

ولكن النتيجة السياسية هذه المرة  اختلفت كليا عن مثيلتها في انتفاضة ال87، حيث أضطر العدو الصهيوني وتحت ضغط المقاومة والتهديد المستمر لجنوده ومستوطنيه إلى الانسحاب الكلي من قطاع غزة  عام 2005م ، وهذا التطور اُعتبر في حينه إنجازا مهما للمقاومة الفلسطينية وللشعب الذي احتضنها وساندها ودعمها بكل ما يملك ، وكان لهذا الانسحاب تداعيات كثيرة خصوصا على مستوى تطور قدرات المقاومة في غزة وما باتت تشكله من تهديد جدي ومؤثر لهذا الكيان الغاصب.

 

وهنا نعود إلى موضوعنا الاساسي والذي ما زالت مفاعيله مستمرة على أرض الواقع وهو « مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار « كما أطلقت عليه اللجنة المنوط بها متابعته والإشراف عليه ، حيث مضى على بدء هذه المسيرات وما يتبعها من فعاليات مختلفة حوالي عام كامل ، وحازت منذ انطلاقها على إجماع فلسطيني بنسبة كبيرة جدا باستثناء البعض الذي رآها غير مفيدة ، وخلال العام المنصرم من عمر هذه المسيرات قدّم الشعب الفلسطيني تضحيات جسيمة من أرواح خيرة شبابه وبناته واطفاله ، وآلاف الجرحى والمصابين من بينهم مئات حالات البتر وغيرها الكثير الكثير من التضحيات التي لم يبخل شعبنا يوما في تقديمها ، إلى جانب تلك الجراح والآلام أبدع شعبنا أيضا في استخدام وسائل المقاومة الشعبية التي شكلت ازعاجا واستنزافا للعدو على عديد المستويات ، وخلطت حساباته خصوصا العسكرية منها وهو الذي كان معتادا على التعامل مع مقاومة مسلحة فإذا به يقابل أطفالا ونساء وشبابا يقاومونه بالحجر والبالون والطائرات الورقية .

 

وحتى نكون منصفين فإن هذه المسيرات سلطت الضوء مجددا على مظلومية شعبنا الفلسطيني ، وأنه شعب يحب الحياة بحرية وكرامة على أرضه كباقي شعوب العالم ، وان المحتل هو الذي ينغّص عليه عيشته ويكدّر صفوها ويحرمه من أبسط الحقوق المكفولة له كأي شعب آخر .

 

ولكن دعونا ننظر إلى النتائج السياسية المنبثقة عن هذه المسيرات ، وهل بالفعل حققت اهدافها المعلنة أو بعضا منها ، أم ما زالت تدور في دائرة مفرغة من الوعودات والآمال والطموحات التي يسوقها الوسطاء صباح مساء .

 

ولمعرفة النتيجة علينا أن ننظر إلى الأهداف التي أعلنتها قيادة المسيرات منذ اليوم الاول ، وكان على رأسها العودة لأراضينا المحتلة ومن هذا الهدف اُستُنبِط اسم المسيرات ، وكذلك رفع الحصار بشكل كامل عن القطاع المحاصر من خلال فتح المعابر وإدخال البضائع والسماح بحرية الحركة ووقف العدوان بكافة أشكاله وعديد المطالب الاخرى التي نُودي بها آنذاك.

 

وبالنظر إلى تلك الاهداف التي كان يُراد تحقيقها  يمكن ان نعرف مدي نجاح او إخفاق ذلك الحراك في تحقيق أهدافه السياسية على وجه الخصوص، وهل الواقع الذي كان سائداً قبل المسيرات قد تغير بعد عام من انطلاقتها ؟ وهل الخطة التي كانت موضوعة قد أدت الغرض منها أم بحاجة لتطوير وتحديث ؟!

 

بنظرة سريعة على مجريات الاحداث في الوقت الحالي نكتشف بدون عناء أن معظم الأهداف لم تتحقق !! وعديد المطالب لم يُستجب لها !! والآمال الكبيرة التي كان الكثير يمنّي نفسه بها لم تصبح واقعا عمليا !! فالحصار ما زال على اشده وربما زادت وتيرته خصوصا بدخول السلطة على خط العقوبات !! والوضع الاقتصادي أصبح أكثر كارثية من ذي قبل !!العدوان العسكري والتغول على الأبرياء لا يكاد يخفت حينا إلا ويعود من جديد !! العدو يماطل ويسوّف ويكذب ويحاول شراء الوقت إلى ما بعد انتخاباته الداخلية !! وزد على ذلك اتساع الهوة بين جناحي الوطن في الضفة وغزة ، وزيادة وتيرة الانقسام وارتفاع حدته ونتائجه على الأرض .

 

كل ما تقدم يجعل النتائج غير مرضية ولا تبشر بخير في المستقبل القريب ، وهذا ما بات واضحا في تصريحات قادة الفصائل خصوصا تلك المشرفة على هذه المسيرات والتي تتحمل مسئولية اخلاقية تجاه شعبها الذي لم يبخل يوما بدماء أبنائه وقوت عياله في سبيل تحقيق ما يصبو إليه من اهداف.

 

ونحن نعتقد أن من يتحمل المسئولية الأساسية لعدم تحقيق المطالب العادلة لهذه المسيرات هو الاحتلال الصهيوني، الذي أفشل الكثير من التوافقات التي تم التوصل إليها بوساطة مصرية حيناً وقطرية حيناً آخر ، وهو الذي أراد أن يحوّل المطالب السياسية لهذه المسيرات إلى مطالب إنسانية بحتة ، وهو الذي استخدم في عديد المرات القوة المفرطة في مواجهة الأطفال والنساء والطواقم الطبية والصحفية ، وهو بذلك يحاول إيصال رسالة مفادها أنه ماضٍ في مشروعه التصفوي للقضية الفلسطينية ، وحصاره للشعب الفلسطيني مدعوما بحليفته الاساسية « امريكا « ومستندا إلى مواقف بعض الدول العربية التي تجاهر علانية بالتنسيق معه والتسويق لحقه في ارضنا ومقدساتنا .

 

وبناء عليه وعلى ضوء هذه النتائج الغير مرضية لشعبنا حتى الآن ، وإجماع الكل الفلسطيني على ان من يتحمل المسئولية المباشرة عن عدم تحقيق المطالب والاهداف المشروعة والمحقة هو العدو الصهيوني ،  يتوجب إحداث تغيير نوعي في طريقة التعامل مع هذا المحتل الغاصب ، وتطوير أدوات مقاومته لتشمل أشكالا أخرى ربما تكون أكثر تأثيرا واكثر تحقيقا للمطالب العادلة لشعبنا الفلسطيني ، وشعبنا بكل تأكيد وفي الطليعة منه المقاومة الباسلة لديه من الإمكانيات البشرية والمادية ما يستطيع من خلاله قلب الطاولة على رؤوس الجميع !!

 

التجارب التي خاضها شعبنا مع هذا المحتل مريرة ، ويعرف الجميع انه عدو مخادع ومراوغ ، وان التنصل من العهود والمواثيق سمة لا تفارقه على الإطلاق ، ولذلك يجب ان يتم التعامل معه بالطريقة التي يفهمها ، وعدم إضاعة الوقت في انتظار وعود كاذبة جربناها كثيرا خلال السنوات الماضية .

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق