رغم محاولات تلافيها

شبح الحرب الرابعة على غزة يحوم في الأجواء

شبح الحرب الرابعة على غزة يحوم في الأجواء
ترجمات

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

كتب يوسي ملمان، المحلل الأمني في صحيفة "معاريف" أن هجمات سلاح الجو على قطاع غزة في أعقاب إطلاق الصاروخ من غزة على مستوطنة "مشميرت" في منطقة "هشارون"، وقرار  الجيش  الإسرائيلي بالتجنييد الجزئي للاحتياط، نشر بطاريات القبة الحديدية، نقل لوائيْ مدرعات ومشاة إلى غلاف غزة، فتح الملاجيء والاستعدادات في بلدات الغلاف؛ يمكنها أن تكون إشارة البداية لحرب غزة الرابعة.

 

ولكنها ليست محتمة؛ فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يزال غير معني بحرب شاملة مع غزة، وبالتأكيد قبل أسبوعين من الانتخابات. ولكن من شأن الحرب أن تنشب لأن للتصعيد منطق خاص به، لا يكون للطرفين دومًا سيطرة عليه، وللدقة فإنهما يخافان التحكم بالمسيرة، خوفًا من أن يبدوا ضعيفين.

الفرضية الاساس هي أن حماس، بل والجهاد الإسلامي، لا يريدان المواجهة، فحتى اليوم خاضتا حرب استنزاف البالونات الحارقة، الطائرات الورقية المتفجرة، إحراق الحقول، المظاهرات على الجدار، وبين الحين والآخر إطلاق صواريخ وإلقاء عبوات ضد قوات الجيش الإسرائيلي. ولكنهما تعرفان بأن نتنياهو وإسرائيل لا تريدان مواجهة شاملة، وتستغلان فترة الانتخابات للسير على الحافة ولخطوة صغيرة وتصعيدية أخرى.

 

في الأسبوعين الأخيرين، أطلقت صواريخ بعيدة المدى ثلاث مرات: إلى بئر السبع، إلى "غوش دان" وإلى "هشارون"، وفي المرات الثلاث، كان التفسير/ التبرير الذي قدمته حماس والجيش الإسرائيلي هو أن عمليات الإطلاق تمت بالخطأ، وأن الصواريخ - التي نُصبت في مواقع حماس - أطلقت عقب عواصف برق ورعد شغلت أجهزة الإطلاق. حتى لو كان هذا صحيحًا (يوجد حول هذه المسألة علامة استفهام كبيرة) فإنهم في الجيش وفي القيادة السياسية يعرفون بأنه من الصعب بيع هذه الحجة للجمهور.

 

وعليه، فكل شيء منوط في واقع الأمر بقيادة حماس؛ فإذا ردت هذه بقوة شديدة على هجوم سلاح الجو بإطلاق عشرات الصواريخ على الغلاف وما وراءه حتى "غوش دان"، فستفتح دائرة سحرية بهجوم جوي، إطلاق صواريخ وهلمجرا، وبالتأكيد إذا وقع مصابون في الطرف الإسرائيلي فلن يكون لنتنياهو مفر غير إصدار الأمر الذي لم يرغب حتى الآن بإصداره، بالدخول البري؛ هذه هي طبيعة التصعيد.

 

ما الذي حصل في "الجرف الصامد"؟ إسرائيل - التي عثرت ودمّرت معظم الأنفاق تحت الأرضية - نجحت في أن تسحب من أيدي حماس سلاحًا استراتيجيًا. ولكن رغم الحصار المشترك الذي تفرضه إسرائيل ومصر على غزة، وإن كانتا تقلصان تهريب الصواريخ والوسائل القتالية الأخرى إلى غزة، فقد أثبتت حماس بأنه لا تزال لديها قدرة صاروخية لا بأس بها، بعض من الصواريخ هي للمدى البعيد مثل ذاك الذي أصاب "هشارون"، وهذه الصواريخ من إنتاج ذاتي، بمساعدة العلم من حزب الله ومن إيران. والتقدير هو أنه لدى حماس والجهاد بضعة آلاف من الصواريخ لمدى حتى 40 كيلو متراً، وبضع عشرات أخرى حتى (30-80) كيلو متراً، وعدد مشابه لمدى 100 كيلو متر وأكثر؛ هذه صواريخ غير دقيقة وصيانتها متردية، ولكن يمكنها أن تلحق ضررًا جسيمًا، ولا سيما في الإصابة المباشرة.

 

مع كل التقدير للتكنولوجيا ولقدرة القبة الحديدية، فمحظورٌ أن ننسى بأن لها نقطة ضعف، ليس لدى إسرائيل ما يكفي من البطاريات لتغطية كل المجال من غزة وحتى الخضيرة (حتى هناك يمكن - إلى هذا الحد أو ذاك - أن تصل الصواريخ من غزة). إضافة إلى ذلك، فإن مدى الاعتراض الأقصى للقبة الحديدية هو حتى (50-60) كيلو متراً، ومن الصعب عليه أن يعترض قذائف الهاون للمدى القصير من (5-7) كيلو متر.

 

كان يمكن لهذا التصعيد أن يُمنع لو كانت حكومة إسرائيل بلورت استراتيجية سياسية - أمنية شاملة، أساسها يجب أن يكون باستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية لتعزيز قوتها بين الجمهور الفلسطيني حيال حماس، ولكن نتنياهو غير معني بذلك، ففي لقاء لكتلة "الليكود" قبل نحو أسبوعين قال صراحة أن من يعارض إقامة دولة فلسطينية ملزم بأن يؤيد نهجه تجاه غزة؛ وهكذا اتضح الأمر. رغم أنه لم يقل صراحة بأنه تراجع عن تأييده لفكرة الدولتين، فإن نتنياهو معني بشق الشعب الفلسطيني إلى كيانيْن، في الضفة وفي غزة، كي يصفي عمليًا الدولة الفلسطينية الموحدة.

 

لغرض تحقيق هدفه، فان نتنياهو مستعد لان يمنع تحويل نصف مليار شيكل من الاموال التابعة للسلطة الفلسطينية وفي نفس الوقت أن يدفع اموال الخاوة لمنظمة حماس – وكل هذا كي يحقق هدوءاً مؤقتا.

 

نتنياهو غير مستعد لأن يتخذ الخطوة الإضافية التي كان يمكنها أن تحقق اتفاق وقف نار أو تسوية بعيدة المدى مع حماس، كل ما عليه أن يفعله هو أن يتخذ قرارًا شجاعًا يقول بأنه مقابل موافقة حماس على مثل هذه الخطوة؛ ستوافق إسرائيل على إعمار جذري وشامل لغزة كي يتحسن مستوى معيشة السكان ورفاههم، ولكن الحكومة ترفض الموافقة على ذلك، طالما لم تتحقق صفقة تبادل للجثث والأسرى، ومثل هذه الصفقة ليست ممكنة إلا إذا استجابت إسرائيل جزئيًا لمطالب حماس، وحررت مئات الأسرى، أما نتنياهو - الذي سبق ووافق على ذلك في أعقاب صفقة شاليط (حرر أكثر من ألف فلسطيني) - فلا يفكر حتى بتكرار خطئه؛ وهكذا فإن كل شيء عالق.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق