الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية:

مـفـاوضـات تـحـت الـنـار

مـفـاوضـات تـحـت الـنـار
سياسي

 

الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية:

بدأ الفلسطينيون مفاوضاتهم مع "إسرائيل" في أواخر ثمانينيات القرن الماضي من نقطة الاشتراط الإسرائيلية، وهي "نبذ العنف" والتوقف عن دعم مقاومة إسرائيل بالوسائل القتالية، حتى الأسلحة الخفيفة منها، واستمر ذلك حتى العام 2000؛ حيث توقفت المفاوضات وبدأت جولة جديدة من العنف، استمرت إلى الآن، إلى المرحلة التي يئس فيها الاحتلال من أن يفرض معادلة "نبذ العنف" على الفلسطينيين، واضطر فيها إلى التفاوض تحت التهديد المعلق على الجبهة الداخلية في الكيان.

 

البرفسور شموئيل سندلر يُحاول أن يُمأسس لهذا الواقع الجديد، وهو المفاوضات تحت النار، اجتهدنا أن نلخص فكرته في المقال بالتالي: يَعجَب الكثيرين كيف يمكن خوض مفاوضات، إلى جانب استخدام القوة، بين طرفين ليس بينهما أي قاسم مشترك! ألا يوجد تناقض بين استخدام العنف وبين المفاوضات، بين استخدام القوة العسكرية والدبلوماسية؟ الحقائق واضحة. طرفا المواجهة لا يعترف أحدهما بحق الآخر في الوجود، ولهذا فظاهرًا لا يجريان مفاوضات. اليوم تجري مفاوضات عبر وساطة مصرية، وفي الماضي نقلت الرسائل من خلال مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف.

 

إلى جانب ذلك، تطلق الصواريخ من غزة نحو بلدات غلاف غزة، بل وأبعد منها، والجيش الإسرائيلي يردّ بغارات جوية على منشآت حماس والجهاد الإسلامي، فما المنطق من خوض مفاوضات إلى جانب استخدام القوة؟ وما منطق استعمال العنف وإيقاع الضرر وفرض الحصار، إلى جانب ضخ الأموال والبضائع؟

 

سنستعين بمفاهيم من مجال الحكمة الاستراتيجية: التمييز الكلاسيكي بين الحرب والدبلوماسية (الذي كان مقبولًا منذ الحروب بين الدول في القرن الـ 19) اهتز في عصرنا، فقد أتاحت المفاوضات الحالية الوصف كـ "دبلوماسية العنف"، وهو التعبير الذي وضعه توماس شلينغ (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2005 بالشراكة مع إسرائيل أومان)، مثابة تطوير التشخيص المعروف لفون كلاوفتس بين المفاوضات الدبلوماسية والحرب التي هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وقصد شلينغ الحروب المحدودة للولايات المتحدة في كوريا أو فيتنام، ولكن تعريفه ينطبق أيضًا على مواجهات محدودة مثل تلك التي تجري في غلاف غزة.

 

في الفهم الإسرائيلي، فإن إلحاق الهزيمة بحماس ليس هدفًا سياسيًا، فالقضاء على حماس أو طردها من غزة سيؤديان بالضرورة لنقل الحكم إلى رئيس السلطة أبو مازن أو إلى أخذ المسؤولية عن إدارة القطاع بيد إسرائيل. الخيار الأول معناه تعزيز فتح، وفي أعقابه زيادة الضغط الدولي لدولة فلسطينية من على جانبي إسرائيل، أما الخيار الثاني فهو إدارة حياة مليوني ونصف فلسطيني من جانب الجيش الإسرائيلي؛ النتيجتان تتعارضان والمصلحة الإسرائيلية: حماس على وعي بذلك، ولهذا فهي تتجرأ بقوة أكبر على تحدي إسرائيل.

 

ولمّا كان جوهرها الأساس هو استمرار الصراع ضد الدولة الصهيونية، فهي لا يمكنها أن تتخلى عن المواجهة العنيفة، وعندما تفقد الشرعية في غزة وفي الدول العربية مثل مصر والسعودية، وبالمقابل تضغط عليها المقاطعة في رام الله التي لا تضخ إليها المقدرات، فإن حماس تحاول أن تبقى بفضل المواجهة.

 

عندما لا يكون القضاء على حماس هدفًا سياسيًا، تضطر إسرائيل أيضًا لأن تقيم معها مواجهة محدودة، في هذه المواجهة المحدودة يجري حوار دبلوماسي في ظل استخدام العنف، وهذا الحوار العنيف ليس عديم القواعد. رغم نفي الحكومة، فقد رأينا عمليًا نارًا صاروخية نحو المركز (تل أبيب وهشارون) يجري ردود فعل أكثر كثافة بكثير من الرد على النار على بلدات الغلاف. تفهم حماس قواعد اللعب؛ فهي لم توسع النار إلى مركز البلاد كي لا تجبر إسرائيل على الرد بشكل أكثر كثافة. وبالفعل، في قصف سلاح الجو لمنشآت عسكرية ومدنية في غزة، عمل الجيش الإسرائيلي بشكل موضعي، وامتنع عن إصابات عديدة في الأرواح من خلال آلية "نقر السطح"، التي تحذر مسبقًا المواطنين من الضربة الجوية للمبنى.

 

كما ان التوافقات على وقف النار هي جزء لا يتجزأ من ذاك التكتيك المتعلق بـ "المفاوضات العنيفة"، هل يمكن إجراء مفاوضات عنيفة على مدى الزمن؟ في نظرة إلى الوراء، يمكن القول بأن هذه الآلية تتواصل عمليًا منذ أكثر من عقد، فمنذ سيطرة حماس على قطاع غزة في 2007 وحتى اليوم جرت ثلاث عمليات واسعة للجيش الإسرائيلي تبنّت تعبير "الحرب التي بين الحروب" كي تصف نمط العنف هذا أو "تكتيك قص العشب". عندما لا يكون ريق للتنمية في المفاوضات السياسية أو الخروج إلى حرب حاسمة، فإن البديل الوحيد هو إدارة مفاوضات عنيفة.

 

(عن صحيفة "إسرائيل اليوم" - شموئيل سندلر/ بروفيسور رئيس كلية أمونا - أفراتا، وباحث في مركز بيغن - السادات في جامعة بار إيلان)

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق