يمتشقون الموتَ طلبًا للحياة

يمتشقون الموتَ طلبًا للحياة
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

خجولًا كعادته يأتي الصباح... شمسٌ بلا حريّة... جوعٌ بلا طعام... وحنينٌ لا يكفُّ عن التحرّش بتلك القلوب المُجهدة، وقيودٌ لا تنفكُّ عن الولوج إلى آخر مُضغةٍ مُخلّقةٍ في جسد الأسرى.

 

منذ عقودٍ وهم جائعون، يعانق أحدُهم الشمسَ، فتتلقّف الرطوبةُ عشراتٍ غيره، وتمضي بهم السنون على وجعٍ لا ينضب، وجوعٍ لا يعقبه شبع، وعواطفَ يسحقها الحرمان بلا هوادة.

 

يحلمون كلَّ ليلة بالحريةّ، لكن الليلَ لا ينتهي، وما زالت أحلامهم في قبضة المنافي، وهم في صحاري الغياب غارقون... لا أحدَ يستشعرُ جرحهم على حقيقته، ولا أحدَ قادرٌ على الارتقاء إلى مستوى عذابهم...

 

صرخوا بكلَّ ما أوتوا من وجعٍ وحناجرَ، وها هم كعادتهم حين تضيق في وجوههم الخيارات، يمتشقون الجوع سيفًا لم تأكله الرطوبة، ولم يدفنه التراب، ويُشهرون أمعاءَهم قَبَضاتٍ تدُقُّ أسوارَ الليل؛ ليفتحوا في جدار الموتِ نافذةً تُطلُّ على الحياة.

 

ذاك الجوع الكافر أسلم، وأقرّ في أمعائهم الشهادة، أن لا إله إلا ربّ العزة، وهم الأعزّة والله مولاهم، حين تنكّر لحقوقهم الجميع، سلّوا أوجاعهم من أغماد الصبر الجميل، ومضوا يشقون الغبار إلى الصبر المُجاهد، يُشهرون جوعَهم في معركة الكرامة، رافضين أن تمتد أيديهم لتلتقط قشور الجزرة التي تُلقي بها يد الجلاد، بعدما كسر عظامَهم بالعصا.

 

لفظ الأعزّةُ الحياة حين أرادها الاحتلال لهم مذلّة، وحين صارت غرفهم الضيقة، مسرحًا لعربدة الاحتلال، وقهره الأسود، وحين صارت الحياة لا تُطلب بغير الموت، فخاضوا غمار الموت وهم الأحقُّ بالحياة، هم الكرام الكاتبون على جبين المجد حسناتِ التحدي والصمود، والحافظون على جلودهم، وتحت عظامهم سيئات المُحتل في أبشع صورها قهرًا بعد قهر، في زنازين التحقيق، وبرد الخيام، ورطوبة الغرف الضيقة. 

 

قاموا إلى المجد وهم الشهداء الأحياء، العالقون في برزخ التمحيص إلى يوم ينتصرون، يتقلّبون على جَنْبِ الصبر، حتى يطلع فجر الوطن، وتعلو شمسُ عزِّهِ وحريّته.

 

ماضون في جوعهم، فدائيّون قد اعتنقوا الفداء عقيدةً، بعدما أمعن الاحتلال في إذلالهم وتعذيبهم، والتنكيل بهم، لترويض كبريائِهم، وعزّتهم، فاستنفروا، وحشدوا أمعاءهم، كخيولٍ أصيلةٍ عصيّةٍ على الترويض.

 

هم الصابرون المُستبصرون، يخرقون سفينتهم لتبقى سفينَتهم، ولا تقع في يد المَلك المُتجبّر.

 

ما زالوا في أوّل المسيرة، فلنكُن لهم عوناً كي يصلوا آخرها بلا ضحايا... والله غالبٌ على أمره، ولكنّ الطغاة لا يعلمون.

التعليقات : 0

إضافة تعليق