حتى مع إفشال الصفقة.. فهي تؤسس للضم والتوطين

حتى مع إفشال الصفقة.. فهي تؤسس للضم والتوطين
سياسي

الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية:

المدير السابق لمركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط، وعميد كلية الآداب بجامعة تل أبيب ايال زيسر، كتب مقالًا في صحيفة "إسرائيل اليوم" يقول فيه: في حزيران القريب القادم، ومع نهاية شهر رمضان، تعتزم إدارة ترامب نشر تفاصيل "صفقة القرن" التي تستهدف بعصا سحرية إنهاء النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني الذي يعود لـ 100 سنة. قبل أن تولد الصفقة، يسارع الكثيرون منذ الآن إلى دفنها، ولا يخفي عموم الشركاء تحفظهم منها أو حتى يعلنوا على الملأ بأنهم سيرفضون قبولها.

 

بعيون يائسة، يتابع الفلسطينيون كيف يحترق حلمهم في الحصول - على طبق من الفضة - على إملاء دولي لعموم مطالبهم من "إسرائيل"، فصفقة القرن بعيدة بُعد الشرق عن الغرب حتى عن التنازلات التي كانت إدارات أمريكية سابقة (من كلينتون وحتى أوباما) مستعدة لأن تمنحهم إياها، فليس في اقتراح ترامب أيّ ذكر لإقامة دولة فلسطينية، وليس فيه أيضًا مطالبة من إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية إلى حدود حزيران 1967.

 

ويتوقع زيسر أن الدول العربية لن تجرؤ على قبول الصفقة طالما رفضها الفلسطينيون، ويوضح ذلك بالقول "في أعقاب الرفض الفلسطيني، فإن دولًا عربية لا يُمكنها أن تسمح لنفسها بأن تتخذ في الرأي العام العربي صورة من باعت القضية الفلسطينية بثمن بخس لقاء مساعدة اقتصادية أمريكية. كان يسُرّ الحكام العرب بالطبع إنهاء النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني كي يتفرغوا للمشاكل الحقيقية التي تشغل بالهم، كالتهديد الايراني أو الاقتصادات المنهارة؛ ولكن العرب سيخلدون إلى النوم، فالمسافة جدًا بعيدة ما بين ترامب وإسرائيل من جهة والفلسطينيين من جهة ثانية".

 

وعن موقف اليمين الإسرائيلي يقول: في الجانب اليميني من الخريطة السياسية في إسرائيل، يعربون عن تخوفهم من الصفقة، التي ستكون إسرائيل في إطارها مطالبة بالتنازل عن أجزاء هامة من الضفة الغربية، وإن كانت لن تقوم في هذه دولة فلسطينية، ولكن وجود السلطة الفلسطينية كفيل بأن يثبتها كحقيقة شرعية ومعترف بها في الأسرة الدولية".

ومن وجهة نظر زيسر، فالسيناريو إذًا معروف مسبقًا: الأمريكيون سيقترحون الخطة، وبالتالي فهي سترفض أو تذوب وتدخل كتب التاريخ كـ "خطة أخرى"، واحدة من خطط كثيرة طرحت أثناء 100 سنة من النزاع ولم تجلب السلام المنشود"، ويستدرك: إلا أن لهذه الصفقة آثاراً بعيدة المدى على مستقبل العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، بل وأهم من ذلك على مستقبل إسرائيل، ويعدد زيسر الآثار بعيدة المدى كالتالي:

 

أولًا: تفاصيل الصفقة ستصبح نقاط انطلاق لكل بحث مستقبلي لمسألة النزاع؛ وهكذا بدلًا أو إلى جانب مخطط كلينتون أو عرض أولمرت على أبي مازن، سيكون ممكنًا عرض "مخطط ترامب"، والتحسين لذلك كثيرًا لموقف المساومة الإسرائيلي في وجه كل إدارة أمريكية، بل وفي وجه الأسرة الدولية، التي لا تزال ترى في اقتراحات كلينتون وأولمرت الأساس الذي ينبغي انطلاقًا منه بدء كل مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.

 

ثانيًا: في الاقتراح ثمة ما يدفع إلى الأمام بحل، وفي واقع الأمر يشطب من جدول الأعمال عدة مسائل مركزية بالنسبة للطرفين، وعلى رأسها مسألة اللاجئين الفلسطينيين. المخطط الأمريكي، الذي يقول بأنه لن يعطى حق عودة للاجئين وأنه يجب توطينهم في أماكن تواجدهم، يُمكن أن ينفذ حتى دون اتفاق شامل، وسيكون في ذلك ما يسهل على تحقيق اتفاق كهذا في المستقبل.

 

وأخيرًا: المخطط كفيلٌ بأن يمنح فرصة للحكومة للدفع إلى الأمام برؤياها بشأن إحلال القانون الإسرائيلي على أجزاء من الضفة الغربية، وبالأساس على الكتل الاستيطانية التي يوجد حولها إجماع من الحائط إلى الحائط في إسرائيل.

 

ويواصل زيسر: في ضوء الرفض الفلسطيني المتوقع لـ "صفقة القرن"، وبغياب كل احتمال للتقدم نحو السلام؛ يُمكن لإسرائيل أن تدعي بأنه لا يمكنها ان تنتظر بعد اليوم الطرف الفلسطيني، وأنها تسعى لأن تحقق خطوات من طرف واحد بروح مخطط إدارة ترامب، وينبغي الافتراض بدعمها أيضًا.

 

ويخلص إلى القول: وهكذا، بعد 52 سنة من حرب الأيام الستة في حزيران 1967، فإن "صفقة القرن" في حزيران 2019 كفيلة بأن تبشر بالتغيير، لدرجة التحول الإضافي في مكانة الضفة الغربية، ومن شأن هذا التحول - على ما يبدو - أن يحظى باعتراف أمريكي يشبه ذاك الذي منحه الرئيس ترامب للتواجد الإسرائيلي في هضبة الجولان.

 

في صحيفة "يديعوت احرونوت" كتب شلومو بتركوبسكي عمّا أسماه "نتائج خطيرة لخطة صفقة القرن" رغم فوائدها الكبيرة لدولة الاحتلال، لكن فشلها قد يغرق المنطقة في بحر دماء "ظاهرًا، كان يتعين على إسرائيل أن تحتفل في هذه المرحلة؛ فتفاصيل الخطة - وإن كانت لم تنشر بعد - إلا أنه واضح منذ الآن بأنها ستكون أكثر تأييدًا لإسرائيل من أي خطة سياسية سبق أن نشرها طرف ثالث في عشرات السنين الأخيرة، فلم يحصل في تاريخ دولة إسرائيل أن كانت في البيت الأبيض إدارة عاطفة ومؤيدة لإسرائيل مثل إدارة ترامب.

 

ويعرب بتركوبسكي عن خوفه من الخطة موضحًا بأنها على ما يبدو لن تنفذ على أي حال بشكل كامل، لكن المشكلة الكبرى في هذه الخطة هي مجرد وجودها، فتجربتنا الأليمة نحن الإسرائيليين علمتنا أن نخاف جدًا من مخططات السلام، بل وأكثر من ذلك أن نخاف من المخططات التي انتهت بالانفجار. كل من كان هنا في منتصف التسعينيات، لا يمكنه أن ينسى أنهار الدم التي غرق فيها اتفاق أوسلو؛ فما بين أيلول 1993 وأيلول 1995 قتل 164 إسرائيلي في سلسلة عمليات تفجيرية رهيبة. وكذلك بعد أن تفجرت محادثات كامب ديفيد في تموز 2000، انفجرت في أيلول الانتفاضة الثانية، والتي كانت فظيعة وفتاكة أكثر بكثير: أكثر من 500 إسرائيلي قتلوا في أثنائها، معظمهم في الفترة التي بين بدايتها في رأس السنة (أيلول 2000) وحتى عيد الفصح (آذار 2002)، حين جرت عملية "السور الواقي". انكسار مثل هذه المسيرة؛ هي نقطة "انطلاق للإرهاب"، تدفعنا لأن نخاف جدًا من كل مسيرة كهذه.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق