"المواسم بتهدّ الحيل!"...

على أبواب "الأضحى" والمدارس.. الأزمة الاقتصادية تُثقل كاهل الغزيين

على أبواب
اقتصاد وأعمال

غزة/ دعاء الحطاب

ينادي بائع الملابس بأعلى صوته في سوق الشجاعية الشعبي، شرق مدينة غزة، المجاور لمنزل الأربعيني أبو عبد عياد، فيدير الرجل وجهه جانباً بعدما شاهد ابنه الأصغر «محمد» ذا الستة أعوام يهم بالذهاب إليه، طلباً لشراء «ملابس العيد» كما وعده والده سابقا. يهز الأب «عياد» رأسه يمينا ويسارا، فيفهم الأبن لغة أبيه سريعا وهي «لغة الحرمان» التي اعتاد عليها منذ ثلاث سنوات، ليعود أدراجه بين أشقائه الأربعة حزين الوجه قاطب الجبين، فيتفطر قلب الأب قهرا وتذرف عيونه دموع الفقر والعجز عن توفير أدنى احتياجات أطفاله.

 

يتكرر هذا السيناريو الموجع مع "عياد" قبيل موسم العيد والمدارس من كل عام، منذ خسر عمله المتواضع، اذ كان يمتلك عربة صغيرة يبيع عليها الشاي والقهوة وبعض المسليات للمتنزهين على شاطئ البحر، إلى أن تراجع به الحال وبات عاجزاً عن توفير أسطوانة الغاز وشراء ما يلزم من احتياجات، حتى بات عاطلاً لا يدر على أبنائه أي دخل.

 

حال عائلة "عياد" كحال كثير من العائلات الغزية التي أنهكتها تداعيات الحصار الإسرائيلي والإجراءات العقابية التي فرضتها السلطة الفلسطينية عليهم منذ أكثر عامين، والتي انعكست سلباً على قدرتهم الشرائية، وجعلتهم عاجزين عن تلبية احتياجات أبنائهم سيّما في الأعياد والمدارس.  

 

"همنا الوحيد لقمة العيش"

 

ويقول عياد خلال حديثه لـ"الاستقلال":" الأعياد والمدارس أصبحت مرهقة جداً، في ظل الأوضاع المادية الصعبة التي نعيشها بالقطاع وتزداد سوءاً يوما بعد يوم، لدرجة أصبحنا معها عاجزين عن تلبية أدنى متطلبات أطفالنا وكسوتهم، وإدخال الفرحة على قلوبهم"، مستدركاً:" همنا الوحيد لقمة العيش، وليس احتياجات العيد والمدارس".

 

وبغصةٍ تملأ صوته، أضاف:" في عيد الفطر لم أتمكن من كسوة أطفالي ووعدتهم بكسوتهم على عيد الأضحى والمدارس، على أمل بتحسن الحال، لكن للأسف حتى هذه المرة لن أوفي بوعدي لهم".

 

وأكد أنه لن يشتري كسوة العيد والمدارس لأطفاله وسيكتفي بإلباسهم أفضل الموجود لديهم من ملابس، وإصلاح أزيائهم المدرسية وحقائبهم القديمة استعداداً للعام الدراسي الجديد، كما سيعمل على توفير الحد الأدنى من المستلزمات المدرسية لهم، لعدم قدرته على شراء كل ما يحتاجون اليه.

 

وبيّن أن الوضع المادي صعب على الجميع في القطاع المحاصر، وبالكاد يٌدبرون لقمة العيش لأُسرهم، لذا الكثير من الآباء والأمهات سيفعلون ما سيفعله، ولن تدخل فرحة العيد والمدارس منازلهم، فهي معدومة في ظل عدم مقدرتهم على توفير احتياجاتهم ومستلزماتهم. 

 

" المواسم هدت حيلنا"

 

ولا يختلف حال موظف حكومة غزة أبو محمود جنينة، عن حال الكثير من الأُسر التي أُجبرت على التكيف مع الأزمة المالية قدر المستطاع في ظل حصار خانق ورواتب شبه منعدمة.

 

ويقول جنينة خلال حديثه لـ"الاستقلال":" تقليص رواتبنا إلى 40% منذ عدة سنوات نتيجة الأزمة المالية التي تعاني منها حكومة غزة، واستلام الرواتب كل نحو 40 يوما، أثّر بشكل سلبي جداً على وضعي المادي، حتى أصبحت عاجزا عن توفير معظم متطلبات أبنائي السبعة".

 

وأضاف متسائلاً:" كيف بدي أعيش بـ1500 شيكل فقط؟، فمصاريف كثيرة تقع على عاتقي كوني المعيل الوحيد للعائلة، سداد ديون للبقالة وقروض للبنوك، ودفع فواتير المياه والكهرباء، توفير مستلزمات الحياة اليومية وكسوة أعياد ومدارس لأبنائي، إضافة لرسوم الروضة والجامعات". 

 

ويتابع:" الأعياد والمناسبات والمدارس هدّت حيلنا، جميعها تأتي متلاحقة، بدءاً من شهر رمضان ومصاريفه الاستثنائية، وبعدها عيد الفطر وها نحن على أبواب عيد الأضحى ومن ثمّ موسم المدارس، وما بينهما من مناسبات أسرية لا تبقي ولا تذر من فتات الرواتب التي نتلقاها!".

 

حالة عصيبة

 

من جهته، أكد المختص في الشأن الاقتصادي معين رجب، أن المواطن في قطاع غزة يعيش حالياً حالة عصيبة وحرجة، نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية البالغة الصعوبة للعام الثالث على التوالي.

 

وقال رجب خلال حديثه لـ"الاستقلال":" إن قطاع غزة يشهد أزمة اقتصادية ومعيشية حادة، الأمر الذي أدى إلى انعدام القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى وموسم المدارس"، مشدداً على أن الحصار الإسرائيلي وأزمة الرواتب أثّرا بشكل كبير على أوضاع المواطنين.

 

وبين أن أزمة الرواتب، زادت من حدة الأزمة بالقطاع، لافتاً إلى أن مستوى السيولة لدى الناس منخفض جداً، حيث لا توجد لديهم أموال أو نقود لشراء احتياجاتهم، خصوصاً وأننا نشهد فترة موسمية متكررة يشتد فيها الطلب على السلع والحاجيات الضرورية.

 

وأوضح أن رواتب السلطة كانت تشكل مصدرا رئيسيا للأموال بالقطاع، وبعد حجب جزء كبير منها وتقليص الجزء الآخر، توقفت الحركة الشرائية بشكل شبه كلي، ومعها أغلقت مئات المتاجر والشركات أبوابها بسبب الخسائر التي تكبدتها.

 

ونوّه الى أن المؤشرات الاقتصادية في غزة سلبية ومنهارة للغاية، فنسبة البطالة ارتفعت الى 52%، وتخطت نسبة الفقر 80 % في 2018، إضافة إلى أن 80% من المجتمع الفلسطيني يعتمد على المساعدات الغذائية الأجنبية والمحلية، بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني. 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق