على ماذا راهن الشهيدان نسيم أبو رومي وحمودة الشيخ؟.. د. محمد مشتهى

على ماذا راهن الشهيدان نسيم أبو رومي وحمودة الشيخ؟.. د. محمد مشتهى
أقلام وآراء

د.محمد مشتهى

التهدئة الميدانية في وعي المناضل مطلوب ألا أن ترتبط بزمن محدد بل مطلوب أن يكون عمرها قصيراً وقصيراً جداً، وتنتهي بانتهاء استفادة المناضل منها، وفي حال شعر المقاوِم بعد يوم واحد من ابرامها بأنها لا تخدم قضاياه الوطنية، مطلوب عندئذ أن يدوسها بحذائه وبكل عزيمة وإصرار ليعود مجددا إلى خندق المواجهة، ليس مطلوباً من المناضل أن يتحمّل مساوئها وأن يقدّسها.

 

نعم ان معادلة الرّبح والخسارة في ذهنية المناضل موجودة على مستوى الميدان، فهو دوما يحاول ومطلوب منه كذلك لزيادة الربح وتقليل الخسارة، لكنها بالمجمل تكون مقتلة في حال تم اعتمادها كإستراتيجية للتحرر، فكل معادلات الربح والخسارة سقطت في أزمنة الشعوب التي تحررت من استعمارها، والدول التي اعتمدتها إستراتيجية بقيت تعاني من نتائجها حتى عادت وتخلّت عنها استراتيجيا واعتمدتها تكتيكياً في ميدان المواجهة فقط.

 

نؤكد مجددا إن أهم حالتين في نضال الشعوب التي تسعى للخلاص من الاحتلال هما: إما أن يحارب، أو يُعد للحرب، ونحن الفلسطينيين لسنا استثناء، وأي ابتداع لحالات نضالية جديدة هي بمثابة وصفة سحرية للتفرقة والاقتتال والتكاسل.

 

الترسانة العسكرية في غزة مطلوب أن يتم تفعيلها مقابل أي مساس لأعمدة القضية الفلسطينية، فالقدس تُدنّس أمام العيون، والأصل في التنظيم المقاوِم أن يقول: إذا تم استهداف المصلين أو اقتحام للقدس سأضرب بالمدافع والصواريخ بغض النظر أن يتم تحقيق شيء من عدمه، لكن مطلوب أن يكون للتنظيم المقاوم مواقف فيها الكثير من العنفوان مقابل ما يتعرّض له أهم عمود من أعمدة القضية الفلسطينية.

 

كما عودنا المقاوم الفلسطيني بمبادراته وتضحياته، مطلوب منه أن يأخذ خطوة للأمام، خطوة تُكتَب في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني بماء من ذهب، فلا يجوز اعتبار سلاح غزة هو للدفاع عن غزة، فسلاح غزة هو ملك للوطن كله وحدود نيرانه مطلوب أن تلامس كل شيء يحدث بالوطن، فما فائدة السلاح إذا لم يتحرّك لأجل القدس!!

 

والتنظيم المقاوِم لا يجوز أن يقول: إنني أمتلك قوة الحق ثم ينتظر، فقوة الحق في هذا المقام غير كافية، مطلوب لهذا الحق أن يكون له مفاعيل على الأرض وألا ينتظر الآخرين، أنت كتنظيم مقاوِم قم بدورك ابتغاءً لمرضاة الله أولاً ثم من منطلق واجبك الديني والأخلاقي والوطني وفي النهاية الآخرون قطعاً سيتبعونك، وان انتظار تعديل موازين القوى ما هي إلا وصفة سحرية للتكاسل، وان أسوأ الخيارات تلك التي يمكن للتنظيم المقاوم أن يأخذها هو الموقف الانتظاري، فيا أخي المقاوم لا تنتظر وبادر ثم بادر ثم بادر، بادر لأجل القدس، بادر لأجل التاريخ، بادر لأجل الله.

 

إن أهم مفتاح للعمل النضالي الفعّال يكمن في المبادرة بالفعل واستثمار الفرص، أليست القدس قطعة من أفئدتنا؟ أليست قضيتنا الأم؟ ألا تستحق الاستشهاد دونها؟ ألم نشاهد طفلين من أطفال القدس وهما يتسابقان للذود عنها بروحيهما ثم يُقتلان أمام أعيننا؟ يا تُرى ما الذي دفعهما ليندفعا بهذه القوة وهذا العنفوان ليضربا بالسكين هذا العدو؟ أليس ما يحدث من اقتحام العدو وتدنيسه للأقصى هو السبب؟

 

إن البطلين نسيم أبو رومي وحمودة الشيخ وفي هذه الحالة  وبهذه الطريقة أصبحا لا يراهنان الا على نفسيهما ووعيهما ودمائهما، لذلك ذهبا رُغم صغر سنهما وكبر عنفوانهما ليعلنا أمام الله تقديمهما الواجب قدر الإمكان.

 

مطلوب ألا يكون حجم وحدود التنظيم المقاوِم يقتصر على تفاهمات ميدانية هي أقرب للاتفاقات الهوائية بينما القدس تضيع، مطلوب أن تكون دوما القدس حاضرة وفي بؤرة ومركز المشروع المقاوم، وأن تكون بالفعل بوصلةً للمناضلين والأحرار، بوصلةً بمعنى أن يستيقظ المناضل في الصباح يسأل عن حال القدس وأن ينام يحلم بالقدس، وأن تكون كل أفعاله النضالية مصوّبة لأجل القدس.

 

لقد بات ضروريا على المقاومة في غزة ان تتجاوز حدود غزة ليصل تأثيرها داخل أسوار القدس والمسجد القبلي، فتلك هي المعركة الحقيقية، وإن مفتاح فك حصار غزة موجود في القدس وفي المسجد القبلي، ومن المعلوم أن هذا العدو جبان أمام أي مبادرة من قبل المقاومة، وقد أثبتت كل الأحداث الماضية أنه جبان ويحسب ألف حساب أمام قول وفعل المقاومة..والمتتبع لقوة وتطور المقاومة الفلسطينية على مدار تاريخها لم يكن لها أن تتقدم أو يُحسب لها حساب لولا فعلها المبادِر، وإن أوقات تراجعها كان أحد أهم أسبابه هو عدم المبادرة، فالمبادرة هي روح العمل المقاوِم.

 

ونحن أمام هذه الحالة وهذا المشهد السياسي نحن بحاجة إلى بعضٍ من جنون أبناء القسام وصواريخ البرق والرعد وجنون أبناء شهداء الأقصى وجنون أبناء أبو علي مصطفى ونحن بحاجة إلى جنون أبناء سرايا القدس، نحن بحاجة إلى جحيم عسقلان وإلى كسر هذا الصمت من جديد، نحن بحاجة إلى صواريخ بدر المقدسة، نحن بحاجة إلى كورنيت القسام، نحن بحاجة إلى فخوخ ألوية الناصر، نحن بحاجة لأن تكون الوجهة المعلنة لكل فعل مقاوِم قادم هي القدس وما يجري بالقدس، نحن بحاجة من المقاومة خطوة للأمام نحو القدس، نحن بحاجة إلى بعضٍ من جنون المقاوِم الفلسطيني، وهنا لا يُقصد بالجنون أن من يمارسه يصبح فاقد للأهلية وللعقلانية، بالعكس تماماً فالجنون هنا يعني أن المقاوِم الفلسطيني وفي هذا الصراع وفي هذه المرحلة وبهذه الطريقة وهذا المشهد أصبح لا يراهن إلا على ما راهن عليه الشهيدان نسيم أبو رومي وحمودة الشيخ تقبلهما الله تعالى في الفردوس الأعلى.

التعليقات : 0

إضافة تعليق