السلطة فشلت في إدارة الأزمة وعليها تغيير استراتيجيتها

"المقاصة".. تضع قطاعات الضفة الإنتاجية والتجارية على حافة الانهيار

اقتصاد وأعمال

غزة / دعاء الحطاب:

ما زالت السلطة الفلسطينية تعاني من أزمة مالية خانقة، منذ إقدام الاحتلال الإسرائيلي في فبراير الماضي، على احتجاز أموال "المقاصة" الضريبية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الفلسطيني وأصابه بالشلل شبه التام، ووضع القطاعات الإنتاجية والتجارية في أزمة خانقة، خاصة في ظل محدودية خيارات السلطة لتغطية عجزها، وعدم وجود أي حلول تلوح في الأفق القريب.

 

وتضم أموال المقاصة العائدات الجمركية التي تقوم سلطات الاحتلال بجبايتها نيابة عن السلطة للبضائع الواردة للسوق الفلسطينية، وتتراوح قيمتها ما بين 180-200 مليون دولار شهريا.

 

ووفقا لتصريحات وزير المالية في رام الله شكري بشارة، فقد اقتطعت سلطات الاحتلال من طرف واحد ما يزيد على 3.5 مليارات دولار من أموال المقاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو ما كان سببا في اعتماد السلطة على القروض المحلية والخارجية لتمويل نفقاتها التشغيلية، التي تقدر سنويا بـ4 مليارات دولار.

 

وقد صرح بشارة سابقاً، أن وزارته قررت التوجه إلى المحكمة العليا للتحكيم الدولي في لاهاي، لاسترداد الأموال التي تحتجزها سلطات الاحتلال منذ أشهر.

 

وقال بشارة: إن الملفات التي ستكون على طاولة التحكيم الدولي تشمل الاقتطاع الإسرائيلي المستمر لأموال المقاصة، ورسوم بدل الجباية المقدرة بـ3 بالمئة التي تأخذها سلطات الاحتلال لقاء تحصيل الإيرادات الجمركية نيابة عن السلطة، والضرائب الإسرائيلية على المنشآت التجارية في المناطق (ج)، والضرائب غير المستردة لعمل شركات الاتصالات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

 

أوضاع اقتصادية متأزمة

 

المختص بالشأن الاقتصادي هيثم دراغمة، أكد أن استمرار حجز سلطات الاحتلال الإسرائيلي أموال المقاصة للشهر السابع على التوالي، أثر بشكل سلبي على كافة القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدماتية الضفة الغربية المحتلة، محذراً من بقاء الوضع على حاله دون أي حلول تلوح في الأفق القريب.

 

وقال دراغمة خلال حديثه لـ"الاستقلال": إن محافظات الضفة الغربية تمر بأوضاع اقتصادية متأزمة منذ احتجاز الاحتلال أموال المقاصة، التي تتزايد من شهر لآخر، وذلك بسبب نقص السيولة النقدية بين الأفراد والتجار، مما أدى إلى تراجع الحركة الشرائية في الأسواق، وتراجع الإنتاج المحلى".

 

وتعد أموال المقاصة -بحسب دراغمة- المحرك الأساسي والرئيس للاقتصاد الفلسطيني، إذ تشكل نسبة 70% من اجمالي الرواتب، في حين تعتبر الرواتب نواة الاقتصاد الفلسطيني بدونها تتراجع الحركة التجارية والانتاجية في الأسواق وتصبح بحالة ركود غير مألوفة.

 

وأوضح أن السلطة الفلسطينية ذاهبة باتجاه التعويل على مجهودات الشأن الداخلي الفلسطيني لتخطي الأزمة المالية والاقتصادية الناجمة عن احتجاز أموال المقاصة، إلا أن هذا الأمر سيتطلب فتره زمنيه طويلة، خاصة وأن الأزمة جاءت بالتزامن مع هجمه عربية ضد السلطة فلم تعد المساعدات لها كما كانت، بالإضافة إلى الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على السلطة عبر قطع مساعداتها بشكل كامل.

 

وبين أن احتجاز أموال المقاصة ليس السبب الوحيد وراء تردي الأوضاع الاقتصادية بالضفة، لافتاً إلى وجود عامل آخر وهو سوء إدارة الأزمة المالية من قبل السلطة.

 

ودعا دراغمة السلطة إلى التحرك على كافة الأصعدة لوقف تغول الاحتلال على أموال المقاصة من جانب، وحشد التمويل من جانب آخر خاصة من المتعاطفين والمناصرين للقضية الفلسطينية.

 

كما حذر من التداعيات المترتبة على استمرار الأوضاع الاقتصادية على حالها دون إيجاد حلول جذرية على المدى القريب، إذ ستساهم في تشديد الأزمة وانعكاساتها على القطاعات الأخرى في المجتمع، وربما يصل الحال لحدوث انتفاضة أكبر وأعمق من أي وقت سابق، لا يمكن السيطرة عليها في أراضي الضفة في المرحلة القادمة، وفق تحذيرات الخبراء الأمنين الاسرائيليين.

 

ورقة ضغط مالية

 

وبدوره، أكد الخبير في الشؤون الاقتصادية محمد قرش، أن عدم التزام سلطات الاحتلال بصرف أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية وفق القانون، يضع قطاعات الضفة الإنتاجية والتجارية وبرامج التنمية في أزمة خانقه تزداد مع مرور الوقت، مبيناً أن أموال المقاصة باتت ورقة ابتزاز وضغط مالية قوية بيد الاحتلال تستخدمها بأي وقت دون الالتفاف للقرارات والاتفاقيات الدولية.

 

وقال قرش خلال حديثه لـ"الاستقلال": "إن 70% من إيرادات السلطة تأتي عن طريق الضرائب الجمركية التي تحصّلها "إسرائيل" من المستورين الفلسطينيين وفق الاتفاق الذي يلزمهم بالاستيراد عبر الموانئ الإسرائيلية، ومن ثم تقوم "إسرائيل" بدفعها للسلطة كل نهاية شهر بعد خصم 3% كعمولة لها".

 

وأضاف: "إسرائيل" بين الفينة والأخرى تستخدم أموال المقاصة كورقة ابتزاز وضغط مالية ضد السلطة؛ لإجبارها على التراجع عن اتخاذ بعض الخطوات ضدها كالذهاب لمجلس الأمن أو التحكيم الدولي وغيرها، أو لإجبارها لتنفيذ أمر ما كما حدث مؤخراً، كذلك تستخدمها إن أرادت تطبيق قانون استقطاع مخصصات أسر الشهداء والأسرى، وتعويضات مالية لمتعاونين مع الاحتلال، أو حتى تسديد ديون متراكمة على السلطة لصالح شركات المياه والكهرباء".

 

وأوضح أن استخدام "إسرائيل" أموال المقاصة كورقة ضغط على السلطة، يتسبب بعجز مالي كبير لدي السلطة، إذ تضطر أثره فرض الخصومات على رواتب موظفيها وتقليص الأموال المشغلة للقطاعات الاقتصادية، مما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطن، بالتالي تراجع الحركة التجارية والانتاجية والاستثمارية.

 

وشدد قرش على أن البدائل الدولية أمام السلطة محدودة خاصة وأن البنوك لا يسمح لها سقفها أن تقرض السلطة المزيد، فعلى السلطة أن تعيد ترتيب فلسفتها الاقتصادية وأن توقف عمليات الاستيراد، وأن تذهب باتجاه استثمار القرى والأراضي الزراعية والمزارعين في تشكيل اقتصاد ذاتي استثماري مقاوم للحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال، مشيراً إلى أن 220 ألف عامل فلسطيني يعملون في المستوطنات والمصانع الاسرائيلية وذلك لعدم وجود اقتصاد فلسطيني ذاتي وحقيقي يوفر لهم فرص عمل ويستثمر قدراتهم.

 

وفيما يتعلق بتوجه السلطة الفلسطينية للمحاكمة العليا للتحكيم الدولي في لاهاي، لاسترداد الأموال التي تحتجزها سلطات الاحتلال منذ أشهر، بين أنها خطوة لن تجدي نفعا ولن تخرج السلطة من أزمتها، نظراً لأن الاحتلال الاسرائيلي يضرب كافة القرارات التي تتخذها المحكمة العليا أو مجلس الأمن بعرض الحائط ولا ينصاع اليها أو ينفذها، مشيراً الى أن قرارات التحكيم الدولي دائما تكون لصالح الفلسطينيين ورغم ذلك لا يتم تنفيذها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق