مـن نـحـن؟!... نـافـذ عـزام

مـن نـحـن؟!... نـافـذ عـزام
أقلام وآراء

الشيخ: نافذ عزام

من نحن؟! سؤال لا بد منه في هذه الأيام الصعبة التي تعيشها الأمة، وهو سؤال مشروع عندما يواجه شعب ما، أو أمة ما تحديات مصيرية، تهدد الحاضر والمستقبل معا، وهذا السؤال جعله الباحث والكاتب الأمريكي المثير للجدل « صموئيل هنتغنتون» عنوانا لأحدث كتبه، معبرا بشكل صارخ عن الأزمة التي يواجها المجتمع الأمريكي الآن، والتي يفاقم منها الخطاب العنصري التحريضي للرئيس الأمريكي الجديد، ويتردد ذات السؤال في أوروبا أيضا في ضوء المتغيرات الهائلة التي تشهدها أوروبا، حيث يتنامى الخطاب العنصري والشعبوي ويحتدم النقاش حول التعددية الثقافية والدينية والإثنية، وفي المثالين الأمريكي والأوروبي يصبح السؤال عن الهوية الثقافية والدين هاجسا يوميا وهماً لا بد من تحديد إجابة واضحة عنه.

 

ونحن  نرى أن سؤال الهوية بات ملحا في بلادنا، من نحن فعلا أمام هذا الطوفان من الفوضى والجنون واللا منطق.. من نحن؟! وما هي المواصفات التي تجعلنا في حالنا كفلسطينيين -شعبا واحدا- وفي حالنا كعرب ومسلمين -أمة واحدة-, قبل أربعة عشر قرنا مع انبعاث شعلة الحضارة من حراء وشعاب مكة وصحرائها، كانت «النحن» هذه تتشكل وفق الأسس التي نزل بها الوحي وتشكلت أمة جديدة كانت وستظل أصدق نموذج للأمة الواحدة، التي تتلاحم مكوناتها العرقية والقومية واللسانية، وتتجمع حول أهداف مشتركة وآمال وطموحات مشتركة، ويكون تجمعها هذا جزءا من معتقدها وعباداتها، ويصبح معيارا على سلامة إيمانها وصدق تجسيدها للقيم النظرية التي آمنت بها, وهناك آلاف القصص والأمثلة على حالة التماسك والتلاحم التي أعطت لقبائل العرب المفككة والمتناحرة مفهوم الأمة الواحدة، وجعلت الحس القومي الطاغي والحس القبلي الطاغي، موظفا في خدمة الدين وأهدافه، وقيمه النبيلة، بل أصبح التعدد الطائفي والقومي واللساني والثقافي عامل إغناء لمسيرة الإسلام وقوة الامة وحضورها.

 

اليوم ما الذي تبقى من ذلك المجد الغابر؟ من نحن فعلا؟! في ظل الصراعات التي تأكل المنطقة، وفي ظل الحرائق التي تشتعل لأبسط وأتفه الأسباب، أصبحت الهوية القطرية والجهوية والمناطقية بديلا حينا ونقيضا حيناً آخر لهوية الأمة الواحدة، وملامحها الأصلية، وحتى داخل القطر الواحد تشتد الصراعات وتتسع الأزمات وتغيب العناصر المشتركة التي جمعتنا قرونا عديدة، وحتى في داخل الحركات الإسلامية تتعدد الهويات، وتتصارع كما لو أن الاجتهادات المختلفة التي كانت مثال فخر لنا، وقادت إلي تسجيل صور مدهشة من الابداع كما لو أن هذه الاجتهادات تحولت إلى أديان متحاربة، وأيديولوجيات متخاصمة.. وفي هكذا مشهد لا غرابة أن تتبدل الأولويات، وتهتز الآمال، ويصبح العدو صديقا، ويحل الشقيق مكان العدو في التحشيد والتنظير ويهيمن منطق الإقصاء والإلغاء والتهميش.

 

من نحن؟! سؤال مشروع في وقت ممنوع فيه التفكير، وممنوع فيه الابداع، وممنوع فيه التواصل مع أزهى مراحل تاريخنا، وفي المقابل يصبح مفروضا على الأمة وبالإكراه استحضار أسوأ أيام الاختلاف والتنابذ والتباغض، وإحياء عصور الفتنة والتخلف والاستبداد.

 

من نحن؟! سؤال يلح بقوة والاجابة عليه تمثل مدخلا لا غني عنه لمرحلة نخرج فيها من هذه المتاهة القاتلة.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق