بعد أن هدأت الجبهة قليلاً.. عدلي صادق

بعد أن هدأت الجبهة قليلاً.. عدلي صادق
أقلام وآراء

بقلم/ عدلي صادق

على الرغم من العوامل أو الحسابات الداخلية الإسرائيلية، التي دفعت نتنياهو الى عملية التفجير باغتيال الشهيد بهاء أبو العطا؛ إلا أن هناك من العوامل ما لا ينبغي تجاهله. فالحسابات الأمنية عند طاقم نتنياهو، ليست في موضع نقاش أو اعتراض لدى الأوساط السياسية والرأي العام في إسرائيل. بالمقابل، فإن عملية من هذا النوع في صيغتها الأكثر إيلاماً وإحراجاً للجانب الفلسطيني، من شأنها تعويم الجانب العاطفي الذي قد يصل الى حد التظاهر الشعبي للمطالبة بالرد ثأراً. ومثلما لا تخضع العواطف لأية حسابات ميدانية أو سياسية، بحكم طبائع الأمور والبشر، فقد راهن العدو على أن ردات الفعل سوف تكون سريعة، ما يعطي لنتنياهو الفرصة التي يريدها، وهي الظهور في واجهة الصورة، بخلاف ما أصبحت عليه صورته في السجال السياسي وفي المأزق السياسي الإسرائيلي الراهن، لا سيما وأن نتنياهو قد أعد روايته التي سيرويها بعد الاغتيال، زاعماً أن أبا العطا، على وشك القيام بهجمات، وبالتالي فإن العملية الاستباقية افتراضاً، ستكون واحده من إنجازاته على الرغم من الظروف السياسية الشائكة في إسرائيل. ولسنا هنا بصدد الحديث عن جميع العوامل التي دفعت الى التفجير. لكن ما حدث، في تفصيلاته المتعلقة بالعامل الأمني، أن نتنياهو أراد أيضاً، مستعيناً برئيس هيئة الأركان ورئيس المخابرات، التلميح بأن هناك اختراقاً أمنياً إسرائيلياً لقوى المقاومة في قطاع غزة، يساعد ــ كما قال ــ على الوصول لأي مطلوب، ومعرفة من يخططون لتنفيذ عمليات!

 

من الناحية الموضوعية، إن غزة المحاصرة، في موضع المتابعة، مسموعة اتصالاتها ومرئية حركتها ومرصودة من الجو والأرض وعبر الوسائل الرقمية والحثالات البشرية من العملاء.  وكان التركيز على "حركة الجهاد" مرفقاً بتنميطها المبالغ فيه، كذراع إيرانية، وكأن لدى حركة "الجهاد" المؤسسة العسكرية والوسائل القتالية الإيرانية التي عجز الأمريكيون عن فتح الثغرات في بنيانها، فنجح الجيش الإسرائيلي في تحقيق ذلك بالوصول الى بهاء أبو العطا كمعادل موضوعي لقاسم سليماني. ومثل هذا الإيحاء، يُعد من جنس الديماغويا. فـ "الجهاد" حركة فلسطينية، وفصيل من الفصائل التي لم تكن عبر تاريخ النضال الفلسطيني، مقطوعة الصلة بجهات داعمة للنضال الفلسطيني.

 

من الصعوبة بمكان، القول إن الحذر الأمني كان ولا يزال مطلوباً بشكل أكثر جدية ورصانة، مما هو عليه الآن. ولا يصح أن نستثني من هذه الملاحظة، ظروف وطريقة اغتيال أي قيادي عسكري في المقاومة، على الرغم من قوة وغواية العامل الإنساني، الذي يضطر رب الأسرة الى التقاء أسرته.

 

أمر آخر يجدر التنويه اليه، وهو أن إسرائيل استغلت بلؤم، السياق الجاري لإتمام عملية تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، فاستهدفت "الجهاد" لتخليق مشهد اشتباك تجد فيه حماس نفسها مضطرة الى الاستنكاف عن المشاركة.  نحن هنا بصدد عملية تفاوض غير مباشر للتوصل الى صفقة تبادل، خالية من الاشتراط أو التأكيد على العامل الأمني المتعلق بقوى المقاومة، بحيث يكون الموقف من الجانب الفلسطيني، إما الاستمرار في التفاوض وتحقيق تقدم في مناخ أمني مواتٍ، لا تتخلله اعتداءات، أو التوقف عن التفاوض في حال الاعتداء، لكي تعود قوى المقاومة الى طبيعتها، فتواجه العدوان موحدة، وتضرب جميعها المعتدين عن قوس واحدة!

 

من جهة أخرى، كان هناك عنصر مهم وضروري غائب، وهو التوافق الفلسطيني على كيفيات التصرف في كل السيناريوهات، على الأقل بين الأطراف المشاركة في غرفة العمليات المشتركة. فقد ظهر أن لا توافق، وأتيحت للعدو فرصة التمييز بين حركتي المقاومة المسلحة، بتحييد إحداها، موهمة الطرف الذي تم تحييده، بأن لديه فرصة للتباهي بانتصار لاحق، تمثله صفقة تبادل مبهجة!

 

لا يصح التعامي عن الميل الغريزي لدى الرأي العام الفلسطيني، الى التوقف ملياً أمام حسبة الأرباح والخسائر. فإن لم يحث عليها العقل، سيكون من شأن الجراح والأحزان، أن تحث عليها، لا سيما وأن المحصلة لا شيء سوى الموت والتدمير!

التعليقات : 0

إضافة تعليق