لم يحقق أمنيته

الأسير" أبو دياك" رحل بعيداً عن حضن والدته

الأسير
الأسرى

غزة/ دعاء الحطاب :

لم يكن يحلُم أن يعيش سنواتٍ طويلة حراً، فكانت أقصى أمنياته أن يقضي ساعاته وأيامه الأخيرة بجوار والدته، وأن يفارق الحياة و هو بين أحضانها، فهو لم يرغب أن يموت وحيداً مكبل اليدين والقدمين أمام سجانٍ يعشق موته.

 

وبالرغم من خطورة الأوضاع الصحية التي كان يعاني منها الأسير المصاب بالسرطان سامي أبو دياك، نتيجة الإهمال الطبي الذي تعرض له من قبل إدارة مصلحة السجون، إلا أن الادارة رفضت الإفراج عنه و تركته يموت وحيداً بعيداً عن أحضان والدته كما كان يتمنى.  واستشهد الأسير المريض سامي أبو دياك داخل سجون الاحتلال، أمس الثلاثاء ، فيما شهدت السجون حالة من التوتر وتم إغلاق الأقسام بشكل كامل وإعلان حالة الاستنفار.

 

اللقاء الأخير

 

وقبل أيامٍ من استشهاده، لم تنم والدة "أبو دياك" ليلها الطويل، فتارة ترسم في مخيلتها لحظة اللقاء بفلذة كبدها الذي غيبته زنازين الموت لسنوات طويلة، وتارة أخرى تفكر كيف لها أن تزيل شوقها إليه ببضعة دقائق فقط، بعدما سمحت لها سلطات الاحتلال بزيارة بعد معاناة ومناشدات كثيرة.

 

فما إن أزاح الليل عتمته، وحطت الشمس أشعتها الذهبية على الأرض، ارتدت والدة الأسير أبو دياك أجمل ثيابها، وانطلقت بسرعة البرق برفق أفراد عائلتها للقاء محبوبها "سامي" داخل مستشفى سجن الرملة"، لعلها تكحل عينيها برؤيته و تشفي قلبها بقبلة يضعها "سامي" على جبينها، لكن بمجرد وصولها المكان تبددت كُل أمالها.

 

فقد أحضره جنود الاحتلال على كرسي متحرك، وكان جسده منهكاً من شدة الألم ووجه أصفر شاحباً، فاحتضنته وهمست في أذنيه تمرر صوتها بهدوء:" يما أنا هان، أخيراً شوفتك يا حبيبي"، لكنه لم يستجب.

 

لأكثر من عشرين دقيقة، لم تتوقف الأم المكلومة عن محاولتها بأن تشعر" سامي" بوجودها ووجود أشقائه وشقيقاته إلى جانبه، لكن دون جدوى، فقد كان فاقد الوعي بصورة شبه كاملة، ولم يقو حتى على رفع رأسه لينظر إليهم.

 

وعقب انتهاء الزيارة، قالت الوالدة بحسرة: " لقد خسرنا شاباً يافعاً قوياً سرقت منه سجون الاحتلال الإسرائيلي أجمل أيامه، ونهش السرطان جسده، لأجد نفسي أتحدث مع هيكل عظمي!".

 

وخرجت العائلة بعد تلك الدقائق القاسية وهي تنتظر الخبر الفاجعة فيما عجزت المؤسسات عن تلبية مطلب الوالدة ومطلبه الشخصي بأن يموت في أحضان أمه غير مكبل، والتي تحوّلت لأمنية الجميع في الأسابيع الأخيرة.

 

رحل وحيداً

 

" إلى كل ضمير حي، انا أعيش في ساعاتي وأيامي الأخيرة، لا أريد الآن سوى أن أفارق الحياة وأنا في أحضان والدتي، لا أريد الموت وانا مكبل اليدين والقدمين أمام سجان يعشق الموت، ويتغذى على آلامنا واوجاعنا"، تلك الكلمات كانت أخر رسالة للأسير "سامي" قبل استشهاده بأيام.

 

لم تستطع والدة الشهيد أن تقف صامته أمام مناجاة فلذة كبدها، فتوجهت قبل يومين الى المملكة الأردنية الهاشمية، مطالبة الملك الاردني بالضغط على دولة الاحتلال للإفراج عن نجلها "سامي"، إلا أن خبر استشهاده لحقها سريعاً.

 

ومنذ تلك اللحظة، يخيّم الصمت على والدة الشهيد، فلا توجد كلمات تعبر عما يجول في خاطرها وسط وفود المعزين، الذين تلقوا خبرًا عرفوا يقينا أنه قريب، فهي لا تلبس إلا الأسود طيلة سنوات مرضه، إذ قررت الحداد باكرًا، ليس عليه بل على من عجزوا عن الإفراج عن أسير مريض.

وبألم يدمي القلوب، ظهرت والدة الشهيد بمقطع مصور تقول:" مبارح كنت أقول أنا أم الأسير المريض، أنا بقول أنا أم الشهيد اليوم بكل فخر واعتزاز".

 

وأضافت بغصة تعترض صوتها:" ربي يرضى عنه و يهنية بسعادته، أقول له مبروك عليك الشهادة يما"، مستدركة:" أجيت على الأردن للمطالبة بالإفراج عن سامي لأنه مواطن أردني، ويرجعلي فيه نفس ، لكن الحمد لله قدر الله وما شاء فعل".

 

وطالبت الملك الأردني عبد الله الثاني أن يتبنى ابنها سامي، وأن يطالب بجثمانه، وقالت: "من يستشهد عندهم يحتجزون جثمانه:" كما طالبته بالعمل على الإفراج عن نجلها الثاني سامر المحكوم بالمؤبد و25 عامًا.

 

وانهت حديثها بحسرة:" كانت أمنيتى الوحيدة يكون جنبي وهو فيه نفس، لكن اليوم بتمنى بس من الله وبتوسل إليكم ترجعولى اياه وتدفنوه بمقابرنا، عشان لما أشتقله أروح عنده".

 

بين قضبان السجون

 

كان عمره 17 عامًا حين اعتُقل جريحًا إبان انتفاضة الأقصى إثر مطاردة ساخنة من قوات الاحتلال، إذ أصيب الأسير أبو دياك برصاصات لازمت شظاياها جسده حتى استشهاده.

 

وبعد سنوات من الاعتقال صدر بحقه حكم قاسٍ بالسجن المؤبد ثلاث مرات إضافة إلى ثلاثين عامًا، لكنها لم تنل من عزيمته؛ فهو واحد من مئات الأسرى المحكوم عليهم بالمؤبد، الذين كانت آمالهم معلقة على صفقات تبادل الأسرى، وأن باب السجن لن يُغلق على أحد.

 

في عام 2015 تبدّل الحال، وفق ما يقول راغب أبو دياك أحد أبناء عمومته والناشط في قضايا الأسرى، حين اكتشف إصابته بسرطان الأمعاء، الذي لم يمهله طويلًا حتى أدى لاستشهاده فجر اليوم.

 

ويشير أبو دياك إلى أن عشرات الطلبات قدمت للإفراج عن الأسير الشهيد، لكن مخابرات الاحتلال اتخذت قرارًا بأن يقضي داخل السجن مهما كانت الأسباب.

 

ويلفت إلى أن استشهاد سامي لم ينتج بشكل مباشر عن مرض سرطان الأمعاء الذي ألم به منذ أربع سنوات، بل بطريقة تعاطي مصلحة السجون مع المرض وحالة الإهمال الطبي التي تعرض لها.

 

ويقول: "كان يمكن للأمر أن يكون مختلفًا لو أنه تلقى العلاج المناسب في الوقت المناسب، وهو ما طالبنا به مرارًا، ولكن ما جرى هو أنه تعرض ليس فقط للإهمال الطبي، بل أيضا لأخطاء طبية عجّلت بهذه النتيجة المأساوية".

 

وكان الشهيد أبو دياك نقل بشكل عاجل في يوليو/ تموز الماضي إلى مستشفى "أساف هارفيه" في الداخل المحتل بعد تردي حالته الصحية بعدما بلغ السرطان من جسده مبلغه، ثم نقل لمستشفى سجن الرملة بناء على طلبه، إذ طلب أن يرتقي شهيدًا بين رفاقه من الأسرى المرضى على أن يرتقي وحيدًا في ذلك المستشفى، وفق الناشط.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق