بارود متفجر  في المسجد الأقصى!

بارود متفجر  في المسجد الأقصى!
ترجمات

 ترجمة: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

الصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت كتب مقالًا تناول فيه الأحداث الجارية في المسجد الأقصى، ورأى أن ما يجرى بمثابة سيناريو مرعب متفجر يجفي النوم عن عيون مسؤولي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. في يوم الجمعة (14 يوليو)، وفي تمام الساعة السابعة صباحًا، كان يبدو ان هذا السيناريو يحاول أن يحقق ذاته: ثلاثة شبان من أم الفحم اقتحموا - مسلحين بالرشاشات الآلية المحشوة ومسدس وسكاكين - ساحة المسجد الأقصى، ثالث أقدس الأماكن الإسلامية، في طريقهم إلى هناك أردوا شرطييْن من حرس الحدود على أحد المداخل. كانوا ينوون الانقضاض على المسجد وإشعال حريق كبير في القدس، وربما في إسرائيل أيضًا وفي الضفة الغربية، والشرق الأوسط أجمعه. لحسن الحظ - يقول بن كاسبيت - ردت قوة شرطية تابعة لحرس الحدود سريعًا، وفي مطاردة قصيرة جرت في الباحات أردي الثلاثة قتلى.

 

الحدث كان سريعًا، وتم كبحه خلال دقائق معدودة؛ غير أنه بث موجات ارتدادية في إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية على مدار الأسبوع كله. اضطر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن إلى ضم أيديهما والتنصل من بغضهما بعضهما لبعض، والتوجه الفوري للإدارة الأمريكية من أجل كبح التدهور المحتمل الذي من شأنه ان يحيط بكليهما بلهب النيران. في أعقاب العملية اتصل نتنياهو بأبي مازن ليبلغه بما حدث، وليحاول كبح موجة الشائعات التي اعتادت شبكات التواصل الاجتماعي نشرها عقب مثل هذه الأحداث قبل أن تتبرعم.

 

في المنظومة الأمنية تخوف أقل من عملية يقوم بها مسلمون في المكان، فليس لديهم سبب يجعلهم يعتدون على مكانهم المقدس؛ هكذا قدروا. التخوف الحقيقي هو من عملية ينفذها يهود متطرفون، والهدف منها إشعال الشرق الأوسط والعالم الإسلامي برمته من أجل خلق «العاصفة المكتملة»، حرب يأجوج ومأجوج بين الإسلام واليهود، والتي في نهايتها يأتي المسيح («المخلص» حسب عقيدة اليهود) راكبًا حماره الأبيض، وسيمحو الأقصى عن وجه الأرض ويبنى الهيكل المقدس الثالث في مكانه الأصلي.

 

إمكانية ان يقتحم مسلمون مسلحون باحات المكان المقدس أخذت بالحسبان، لكن ليس كأولوية كبرى. في أعقاب العملية، قررت إسرائيل إغلاق المكان أمام المسلمين بشكل نادر طوال يوم السبت. يوم الأحد صباحًا فتح المكان مجددًا، ولكن مع إضافات، فقد نُصبت بوابات الفحص الالكتروني وأجهزة الكشف عن المعادن والأشعة السينية على المداخل المعدة للمسلمين الذين يحضرون إلى الصلاة. مفتي القدس ومسؤولو الأوقاف رفضوا دخول الموقع، نصب الأبواب الالكترونية - حسب رأيهم - خرق إسرائيلي فاضح للوضع القائم في المكان.

 

حسب الوضع القائم الذي تحدد في 1967 عندما كان موشيه ديان وزيرًا للحرب أن تظل الأوقاف الإسلامية تحت رعاية الأردن هي من تحدد ترتيبات

الصلاة وتدير مواقع المساجد هناك، إسرائيل تراقب ما يجري من الخارج. المسلمون مستنفرون، والأزمة بين إسرائيل والأوقاف والأردن المشرفة عليه بلغت ذروتها.

 

من وراء الكواليس، ومنذ وقت طويل، يدور صراع مرير حول السيطرة الحقيقية على المكان الذي يمكن ان تفتح منه أبواب جهنم على الشرق الأوسط برمته. رسميًا، إسرائيل تسيطر على المنطقة، وهي المسؤولة عن الأمن فيها، حتى وإن لم تكن السيادة الإسرائيلية تسري على المساجد ذاتها. منذ ان احتل الجيش الإسرائيلي القدس تقرر عدم التدخل فيما يدور على المسجد الأقصى، والسماح للأوقاف بإدارة المكان بحرية، لهذا السبب أيضًا لا يُرفع العلم الإسرائيلي في المكان.

 

الأوقاف الإسلامية حكمت على مدار السنين من قبل الأردن، إسرائيل التي ترى في الأردن حليفة إقليمية مهمة شجعت ذلك، في السنوات الأخيرة تغير الوضع سريعًا. عناصر «متطرفة» تتسلل إلى المنطقة، وتركيا تحاول أن تجد لنفسها سيطرة على المكان، مجموعات إسلامية راديكالية، ولاسيما السلفية منها، تتسلل إلى الموقع؛ كل هذا يثير وجع الرأس الأمني الحساس لدى إسرائيل، دائمًا وأبدًا.

 

في العامين المنصرمين، اندلعت على الأقل مواجهتان في المكان، إحداهما «موجة العنف» الأخيرة التي انطلقت في أكتوبر 2015. الأمر الذي يضاعف إلى حد كبير التوتر حول المكان هو مطالبة اليهود المتدينين المتزايدة بالصعود إلى «جبل الهيكل» الذي يعتبرونه المكان الأكثر قداسة في الديانة اليهودية، إلى ما يقرب من عقد؛ أغلب الحاخامات اليهود حرموا الصعود إلى المكان لأسباب دينية، في الفترة الاخيرة أطلق الكثيرون من حاخامات الصهيونية الدينية تصريحات تحلل الصعود إلى الجبل، وموجة كبيرة من اليهود حاولت الصعود عليه بأي طريقة كانت، الأمر الذي ضاعف جنون الاضطهاد الإسلامي في المكان.

 

في المواجهتين اللتين اندلعتا حول المكان، قامت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما بدور دراماتيكي مهدئ، وكان وزير الخارجية جون كيري هو من قام بجولات المحادثات بين القدس وعمان، وجلس عشرات الساعات إلى الهاتف حتى هدأ الوضع وعاد إلى سابق عهده. في المرتين اقتنع رئيس الحكومة نتنياهو بأن يعلنها صراحة لملك الأردن عبد الله ان «إسرائيل ستحافظ على الوضع القائم».

 

في المواجهة الحالية لا يوجد في واشنطن تبليغ بما يدور، كيري تقاعد وريكس تيلرسون يهتم أكثر بإيران والخليج، الأمريكيون لن يتطوعوا بوضع أيديهم في برميل بارود متفجر على المكان الأهم في العالم. إسرائيل والفلسطينيون والأوقاف والأردنيون والأتراك والإسلاميون يلعبون هذه اللعبة الخطيرة بقواهم الذاتية؛ الأمر الذي يجعل الوضع أخطر بكثير من أي وقت مضى.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق