لا يفل الحديد إلا الحديد... تيسير الغوطي

لا يفل الحديد إلا الحديد... تيسير الغوطي
أقلام وآراء

بقلم : تيسير الغوطي  

  « لا يفل الحديد الا الحديد « مثل عربي يعني ان لا شيء يؤثر في الحديد إلا الحديد ، و يستخدم في الحديث للتأكيد على أن شيئاً أو أمراً لا يمكن مواجهته إلا بمثله ومن نفس جنسه سواء كان هذا على مستوى القوة والجبروت أو على الدهاء و الذكاء أو حتى التسامح و الاحسان ، وعليه يكون من الغباء و قلة الحكمة أن تواجه ممارسات القوى الظالمة بالسباب والشتائم ، وأن يواجه الظلم و العدوان بالتنديد والاستنكار... الخ ، فهذا مما يفرح تلك القوى الظالمة و يسعدها ، و قد نبه الي ذلك الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله بقوله « حال أمريكا مع العرب أن أعطونا بترولكم و أفتحوا لنا أسواقكم ثم إلعنوا أباءنا كيفما شئتم « ، وفي هذا السياق يتبين لنا كم هو مستوى التخاذل و الاذلال الذي ترتكس فيه القيادات العربية الرسمية وهي تواجه ممارسات الكيان الصهيوني والإدارة الصهيوأمريكية ضد الأمة و أبنائها قتلا و تدميرا واذلالا ، و نهبا للثروات و المقدرات ، و استباحة للأراضي و الأجواء والحرمات... الخ ، تواجه ذلك كله بالسكوت والخرس ، وفي أحسن الأحوال ببيانات التنديد و الشجب و الاستنكار .

 

 ترامب صباح مساء لا يكف عن تحقير الحكام العرب و اذلالهم بمدى حاجتهم إليه لحمايتهم و يفرض عليهم الاتاوات وينهب أموالهم وثروات شعوبهم ، بماذا يردون عليه ؟!، و فيما يخص القضية الفلسطينية فها هو يعترف بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني و يشرعن ضمها والجولان السوري المحتل لهذا الكيان الغاصب، فماذا فعل الحكام العرب تجاه ذلك ؟! ، بل ماذا فعل الفلسطينيون أصحاب الحق المسلوب و المغتصب سوى الشجب و الاستنكار ، و ربما يزيدون على ذلك بمجموعة من التهديدات الجوفاء الصادرة فقط للاستهلاك الإعلامي و لتجاوز لحظة المهانة .

 

هذه المواقف العربية الرسمية (الشجب-الاستنكار- و الإدانة.. الخ) هي التي شجعت و تشجع الكيان الصهيوني ومن خلفه الإدارة الصهيو-امريكية على اتخاذ و تبني القرارات والمواقف النظرية والعملية التي تستبيح الحق الفلسطيني، وتستولي على أرضه ومقدساته بالتغول الاستيطاني وقرارات الضم للقدس والجولان وغور الأردن وأخيرا لمناطق «ج» بالضفة الغربية, كما جاء في تصريحات وزير الامن الصهيوني بداية الشهر الحالي.

إن الذين يطلقون بيانات الشجب و الاستنكار و الإدانة ...... الخ ، في مواجهة الأفعال و الممارسات الصهيو_أمريكية الظالمة و المغتصبة للحق الفلسطيني  في الأرض و المقدسات و الحياة الكريمة و الحرية و الاستقلال، دونما الاقدام على خطوات عملية حقيقية ، إنما هم ببياناتهم هذه أداة أخرى يستخدمها الكيان الصهيوني و يتكئ عليها لمزيد من إحكام قبضته العملية على الأرض و المقدسات .

 

 الرد الحقيقي على ممارسات وقرارات الكيان الصهيوني والإدارة الصهيو_امريكية من خلفه يكون باتخاذ السياسات و المواقف العملية التي تؤذيه وتشكل رادعا له ، و تجعله يفكر ألف مرة قبل الاقدام على أي خطوة نظرية أو عملية ، بعيدا عن حسابات الربح و الخسارة و موازين القوى و فوارقها, و المواقف و السياسات التي تستنزف الكيان الصهيوني ماديا و بشريا ، و تحرمه من الاستقرار والامن والأمان مطيته الدعائية لجلب الصهاينة المستعمرين الي الأرض الفلسطينية المقدسة، ولعلنا جميعا نتذكر كيف أجبرت المقاومة اللبنانية في العام 1983 القوات الامريكية والفرنسية على الرحيل عن الأرض اللبنانية عندما استهدفت مراكزها و اثخنت في جنودهما قتلا، دون التفكير في حسابات الربح والخسارة أو فيما تمتلكه أمريكا وفرنسا من قوات عسكرية وأسلحة حديثه من طائرات و بوارج حربية وصواريخ وصولا الي الأسلحة النووية، فقط كانت تمتلك الإرادة والاستعداد للتضحية لاستعادة الحق والكرامة بعيدا عن الحسابات المادية  والمصالح الشخصية لهذه الفئة أو تلك من أصحاب المراكز والمواقع السلطوية، وكما المقاومة اللبنانية كانت المقاومة الفيتنامية الي هزمت أمريكا في فيتنام، والمجاهدون الأفغان الذين هزموا القوات السوفيتية... وغيرهم الكثير، و هم جميعا لم يكونوا يملكون طائرات أو بوارج حربية أو قنابل نووية فقط كانوا يملكون جميعا الإرادة و التمسك بالحقوق كاملة و الاستعداد للتضحية من أجلها ، و لم يكونوا مستسلمين للمصالح الشخصية والحسابات المادية التي تفرض على أصحابها السير في طريق بيانات الإدانة و الشجب والاستنكار الأقل تكلفة .

 

الحسابات المادية والشخصية هي التي أوصلت النظام العربي الرسمي الي حالة الهوان والعجز التي يعيشها اليوم أمام الكيان الصهيوني والإدارة الصهيو_امريكية بواشنطن بل وكل القوى الغربية الظالمة ، واكثر من ذلك تدفعه لا يعمل جاهدا لجر شعوب الامة الي مستنقع هذا العجز و الهوان ، و هذا يدركه الكيان الصهيوني  جيدا و يعمل على ادامته و استمراره ، فقد جاء في تقرير تقدير الوضع لسنة 2020 « نعتقد أن التحذير الاستراتيجي من احتمال حدوث تغيير في الوضع الأمني في الضفة الغربية مقابل السلطة الفلسطينية لا يزال ساري المفعول ، و لكن قد يحدث مثل هذا التحول في ضوء صراع الخلافة في اليوم التالي لمحمود عباس ، و أنه مادام أبو مازن في السلطة فسوف يستمر في مقاومة طريق العنف ، و بعد مغادرته الحلبة قد يكون هناك تحول سلبي في الاستقرار الأمني « , وفي الجانب الآخر يقر قادة الكيان الصهيوني ان الردع الصهيوني مقابل المقاومة الفلسطينية في غزة لم يتأكل فقط بل ربما اختفى ، وهذا بحسبهم « هوما يفسر ان تنظيما صغيرا جدا مقارنه بقوة إسرائيل العسكرية ( الجهاد الإسلامي ) تمكن خلال أيام من اطلاق مئات الصواريخ باتجاه جنوب الدولة و مركزها ، الامر الذي شل الحياة في اكثر من نصف إسرائيل ، و دفع رئيس الوزراء سيد الامن نتنياهو الي استجداء مصر للوصول الي تهدئة مع الجهاد الإسلامي و هذه ما كان «.

 

 إن الذين يواجهون قرارات و إجراءات و ممارسات الكيان الصهيوني الظالمة على ارض فلسطين بحق الأرض والمقدسات والانسان ببيانات التنديد والشجب والاستنكار والتصريحات الإعلامية المنمقة عن التصدي لتلك القرارات والممارسات انما هم يعيدون الي الواقع صورة ذلك الراعي الاعرابي الذي تصدى للصوص الذين سرقوا ابله بالسب والشتم و هو جالس في مكانه و لم يحرك ساكنا و ليقول بعد ذلك – اوسعتهم شتما و اودوا بالابل - ، فالشجب و الاستنكار و الإدانة هو سلاح الضعيف العاجز

  

 المطلوب و الواجب هو مواجهة قرارات و ممارسات الكيان الصهيوني الظالمة بما يؤذيه و يجعله يدفع ثمن هذه القرارات و الممارسات بشريا و ماديا و من شعوره بالأمن و الاستقرار ، و بما يحقق  المثل العربي « لا يفل الحديد الا الحديد « .

التعليقات : 0

إضافة تعليق