من بين كل القتلة .. كان حظ القاتل أزاريا سيئاً

من بين كل القتلة .. كان حظ القاتل أزاريا سيئاً
عين على العدو

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/  إسماعيل مهرة

 

انتهت قبل أيام جلسة الرد على استئناف الجندي القاتل أزاريا الذي رفع لمحمة العدل العليا، والتي أكدت إدانته بتهمة القتل وثبتت عليه الحكم بالسجن لمدة ستة عشر شهرًا. ومنذ إعلان النطق بالحكم سارع نتنياهو وليبرمان والكثير من السياسيين والإعلاميين بمطالبة رئيس الأركان بإصدار العفو عنه، حتى بدون ان يتقدم القاتل اليئور أزاريا بطلب العفو أو الاعتراف بالجرم وفق المعايير التي حاكمته عليها المحكمة.

 

القاتل أزاريا من جهته يصر على أنه سيدخل السجن مرفوع الرأس، فهو لا يعتبر نفسه مجرمًا ولم يقم بعمل مشين واستثنائي، وبحق هو لا يفهم كل هذه المسرحية وهذه الجلبة لمجرد قتله فلسطينيًا، وليس هو الوحيد الذي لا يفهم ذلك، بل غالبية المجتمع الإسرائيلي لا يفهمون الأمر ويتساءلون: ماذا يحدث هنا؟ ما الذي فعله أزاريا ولم نفعله ولم نفعل أكثر منه؛ فهو على الأكثر أكد قتل مخرب كان أشبه بجثة هامدة، ويجري له كل هذا، صلبه من قبل الجيش، الجيش الذي يقوم قادته ليل نهار بقتل الفلسطينيين حتى بدون وجود تهديد أو شبهة؟!

 

عوزي ديان، وهو جنرال كبير سابق في جيش الاحتلال جاء للشهادة لصالح أزاريا، وأكد على أن كبار قادة الجيش قاموا بتنفيذ أعمال قتل بحق الفلسطينيين، وبالمقارنة مع أزاريا كان يجب ان يُحاكموا بجريمة القتل العمل، ويستشهد هو شخصيًا ان جنوده الذين عملوا تحت إمرته في العام 2002 قاموا بقتل خمسة من رجال الشرطة الفلسطينية على أحد مداخل المدن الفلسطينية دون أي مبرر، بسهولة قرروا قتلهم فأطلقوا النار عليهم. ويستطرد: قمت بالتحقيق في الحادثة ولم تتخذ أية إجراءات! عوزي ديان - كما الشهود الآخرين - يستذكرون هنا ويؤكدون على ما يسود داخل صفوف الجيش من ثقافة القتل، فالجيش يمنح جنوده منذ لحظة تجنيدهم ومنحهم السلاح رخصة بقتل الفلسطينيين رخصة تحميهم من المحاكمات ومن المساءلات القانونية، وهو ما يحدث ويمارسه الجنود بشكل يومي في مدن الضفة وعلى حدود القطاع البحرية والبرية.

 

جمهور القتلة الهائج المائج من مجرد إجراء المحاكمة، والذي أعرب عن تعاطفه التام مع القاتل أزاريا، بما في ذلك زعماؤه السياسيون؛ تأملوا أن تنصف المحاكمة أزاريا أسوة بمن سبقوه ممّن سفكوا الدماء الفلسطينية، وفي قناعتهم ان القوانين التي يحاكم أزاريا وفقًا لها هي مجرد قوانين لا يلتفت لها أحد ولا يفهم أحد لماذا شرعت، طالما ان الرب - وفق تعاليمهم - شرع لهم قتل من جاء لقتلهم (فمن جاء لقتلك فقم واقتله)، وبالنسبة لهم فإن جميع الفلسطينيين يضمرون نية قتلهم عندما تتاح لهم الفرصة، ولم يسبق وأن أبلغهم أحد بأن قتل الفلسطيني قد يعتبر جريمة في ظرف ما، فأرادوا من المحاكمة أن تؤكد وتشرع الممارسة اليومية وثقافة القتل، وأن يكون حكم أزاريا كحكم الآخرين، أي المساواة بين الاخوة القتلة، بمنح رخصة قتل لأزاريا تنسحب منه على الجميع، بمعنى أن تتحول محاكمة أزاريا إلى منح رخصة قتل قانونية لجميع الجنود.

 

لكن ما لم يفهمه هؤلاء وما لم يفهمه أزاريا أنه وبخلاف كل القتلة الآخرين ان لأزاريا كان حظ سيء ، فقد وثقته عدسة الفلسطيني عماد أبو شمسية لحظة قيامه بإطلاق النار على الشهيد عبد الفتاح الشريف عندما كان مصابًا وملقىً على الأرض دون حراك؛ الأمر الذي لم يترك فرصة أمام الجيش للتهرب وفبركة الحادثة أو تبريرها كما هو معتاد أن يفعل في كل جرائم القتل التي يقوم بها جنوده.

 

محاكمة أزاريا كانت اضطرارية لإنقاذ صورة الجيش، وحتى لا يحاكم الجيش نفسه، فجيش القتل والإرهاب - الذي يمارس أبشع جرائم القتل الفردي والجماعي - لا زال يتمسك بكل وقاحة بالأكاذيب الخاصة بالقيم والأخلاق وطهرية السلاح، ويرد بذلك على كل من يحاول إدانة جرائمه.

 

الجيش الذي فرضت عليه هذه المحاكمة في ظروف لغير صالحه داخل المجتمع الإسرائيلي، ولم يكن يريدها أو يسعى إليها؛ استغلها ووظفها في حملته الدعائية، وكأنه مدافع عن حصن طهرية السلاح والأكثر التزامًا بالقيم الأخلاقية، ممّا يجعله أكثر تبجحًا في الادعاء بأنه الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، فالمحاكمة الاضطرارية كانت رسالة للخارج، لكل المؤسسات الدولية، وسيستخدمها في الدفاع عن نفسه ضد الشكاوى التي يتقدم بها الفلسطينيون لمحاكمته على ارتكاب جرائم حرب.

 

أما رسالة الجيش للداخل - وهي ما تم التعبير عنها بأكثر من طريقة - ان أزاريا جندي مقاتل عزيز على الجيش، ليس مطلوبًا منه سوى الاعتراف بخطئه وطلب العفو، وأن رئيس الأركان ايزنكوت سيكون سعيدًا بإصدار العفو عنه، والجيش الآن في انتظار تقدم أزاريا بطلب العفو.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق