أزمــة هــويــة... معروف الطيب

أزمــة هــويــة... معروف الطيب
أقلام وآراء

معروف الطيب

القصة مش قصة أرض.. القصة في الأصل الظلم.. لما القهر يصبح قصيدة ولما الأمم ترضى بمصيبة.. ولما الغريب بحبل الكذب يصبح قريب.. وأصحاب الأرض ملح الأرض الذين ملأ عرقهم عناقيد العنب، وذرار القمح، صاروا غرايب.. خيمة على كتف القهر ترحل، وتبحث عن وطن.. لكنَّ الوطن سيظل للدم الذي روى جذور السنابل والزيتون، والدم له ثارات.

 

لا شيء في عرف القبائل يراعي بكاء الأرامل وأنات الثكالى، عالم يحترم منطق القوة، ولا يعبأ بالضعفاء، الحرب تطحن اللحم مع العظام بالأطنان، والتعاطف اللحظي لا يتعدى دقيقة صمت على أرواح القتلى أو لوحة تحمل شعاراً أمام الكاميرات التي تكتظ بها طاولة الناطق الرسمي، ثم يعود القتلى لموائد الذبح الممنهج، ويعود أصحاب النفوذ والدجل إلى فنادقهم تحت هفهفة المكيفات، آلاف الأطفال تطحنهم الكوليرا في اليمن الذي لم يعد سعيداً، بل أبعد القرى عن السعادة، من أجل شهوة حاكم في السيطرة على الخرائب؛ ليجلس على تلها، وسبر غور عقدة النقص لديه..

 

هذا الحاكم العربي اعتاد أن يأتيه هولاكو؛ ليكسر باب بيت مال المسلمين، ويحصد ما جمع طوال قرون من أطنان الذهب.. تماما كما فعل سلفه هولاكو التتار الذي لدى اقتحامه بغداد قرر أن يحرق  ويقتل كل شيء ما عدا الحاكم العربي فهو أراده حياً، وبعد أن ألقي القبض عليه سأله عن مفاتيح بيت المال، طلب أن يدله على دهاليز مخازن ذهب المسلمين، فلما انتهى من تسليم كل ما جمعه بنو أمية وبنو العباس أخبره أنَّه قاتله لا محالة فكان طلب الحاكم العربي الأخير أن يطلق سراح جواريه فأمر هولاكو بإطلاق سراحهن، ثم أمر أن يوضع الحاكم العربي في كيس من الكتان وأن يقتل ركلا بالأقدام وهذا ما تم بالفعل.

 

ترامب هولاكو الجديد يقرأ تاريخه، والعرب يقرأون تاريخهم أيضاً، وهو ويعلم جيداً أن محتويات بيت مال المسلمين مشاع له متى شاء، ولا يحتاج حتى أن (يركلهم) ليدفعوا له بكل شيء كما دفع أسلافهم، والعرب قرأوا كل أساطير الذل والمهانة واستمرأوا الهوان فلا يحتاجون لمن يركل مؤخراتهم ليدفعوا له الجزية عن يد وهم صاغرون، فدفعوا مذعنين في احتفالية المنتصر وهم في قمة الانحطاط والمذلة فقد وصلوا حدود العبودية دونما استرقاق.

 

جدير بالعربي أـن يخجل من واقعه الذي لا يحسد عليه حيث «فرق تسد» وصلت إلى ذروتها رغم معرفتنا بأنها مقتلتنا إلا أننا نشارك فيها عن طيب قلب ورضى نفس، فاشترك السعودي والقطري والاماراتي في ذبح سورية والعراق، ثم لما فشلوا بدأوا بالتحارب فيما بينهم لتصبح قطر عدواً للسعودية والامارات، وينقسموا من جديد. نفس التاريخ يعيد نفسه عندما انبرى صدام يقاتل إيران منعاً لتمدد الخطر الفارسي القادم من الشرق، لم يكن العرب وقتها قد انتبهوا لضياع شرفهم المتمثل في احتلال القدس، بل وكأن "إسرائيل" لم تكن موجودة أو مرئية، تركوها تفعص عيون العرب بأصابعها، وتمد قدمها في بطونهم، ولما حارب صدام في حرب عبثية توقفت بعد ثماني سنوات، لتبدأ حربه في الكويت، أمة من عارها تضحك عليها كل الأمم يصرون أن يلبسوا نظارة اشتقت من خلاصة الغباء، يحاربون في حروب لا معنى لها يرصدون كل دماء أبنائهم وكل ما ادخروا من أموالهم، ولكنهم يشعرون بالغيبوبة حينما يتعلق الأمر بأعدائهم الحقيقيين يتركون المقدسات تهان، يدافع عن شرفها النساء والصبيان، وحينما تحتدم المواجهة وتكاد تشتعل الثورة الحقيقية تهب الأنظمة لنجدة نتنياهو فينصحونه بالتراجع خطوة منعاً للإحراج حتى لا تضطرهم الشعوب على أن يفتحوا عيونهم فيروا إسرائيل عدواً وهم لا يريدون ذلك.. لذلك القصة مش قصة أرض.. القصة قصة الإنسان اللي فقد هويته ونسي كوعه من بوعه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق