الحج .. فرصة لولادة جديدة للأمة.. الشيخ نافذ عزام

الحج .. فرصة لولادة جديدة للأمة.. الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ: نافذ عزام

نعيش هذه الأيام أجواء الحج، مع ما تحمله من تذكارات، وما تطرحه أمامنا من معانٍ .. فالحج لكونه ركناً أساسياً في ديننا يفترض أن يساعد في تكريس الصورة المشرفة للعبادة ، ومن خلال تلك الإضاءة ، يفترض أن نرى انعكاس ذلك على حياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم وعلى سلوك الأفراد وإحساسهم بالعبادة ، إضافة للتذكارات التي تثيرها أجواء الحج كل عام من استحضار لمسيرة التوحيد على مر التاريخ ، ورحلة أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) الذي وضع القواعد الأولى لهذه الفريضة ، وكانت حياته كدحاً متصلاً لإقرار شريعة التوحيد ونبذ الشرك والشركاء ، وهي من أهم ملامح الحج التي أتمها نبينا عليه الصلاة والسلام ، وأمر الناس بالاقتداء بها "خذوا عني مناسككم" من البداية يجب أن تقر الحقيقة الأولى في الحج والتي تنطبق على كل العبادات تلك المتعلقة بالهدف الأخلاقي والتربوي والاجتماعي إذ لا قيمة للعبادة في الإسلام إذا انفصلت عن الأخلاق ،وإذا عجزت  عن تهذيب سلوك الفرد وإذا لم تساهم في تطوير البناء المجتمعي وتحصين المجتمع .. يقول الله تبارك وتعالى: "الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، واتقونِ يا أولي الألباب".

 

وهي جوهر الحج لا رفث وهو الفحش والتفحش والفسوق هو المعصية كبيرها وصغيرها والجدال هو الخصومة والمناكفة أن الله سبحانه وتعالى ينهى عن الخصومة والمناكفة والمعصية والآثام والفحش والفاحشة ، ولا معنى للحج دون الالتزام بهذه الأخلاق ودون الامتناع عن هذه النواهي فالحج ليس مجرد سفر وزيارة للحرمين وبقية المشاعر الحج أساساً هو النية الصادقة والاستصلاح مع الحق ومنهج الحق وهو عزم على التغير والإقلاع عن الذنوب والمعاصي والآثام ، فإذا عزم الإنسان على ذلك تأتي بقية المناسك لتكريس هذه الروح عندهم وهو يرى نفسه في ذات اللباس الذي يلبسه الملايين من الحجيج على اختلاف قومياتهم وألسنتهم وألوانهم وعلى اختلاف حظوظهم من المال والشهرة والسطوة إن اجتماع الملايين بزي واحد في صعيد واحد يرددون هتافاً واحداً يؤكد الأخلاق السابقة التي تحدثت عنها الآية السابقة ، ويمرن المسلم عملياً على شعور الأخوة والمودة والحب ولذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الحج فرصة لولادة جديدة للإنسان عندما قال: "من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولادته أمه" ، الحج إذن يمثل كرامة ونعمة للفرد الذي والأمة. الفرد الذي أثقلته الذنوب وقيدته المصالح والشهوات والأنانية والغرور والأمة التي نسيت وظيفتها وضيعت أهدافها وتشوشت ملامحها فتقاتلت مع بعضها وتمزقت دولا وقوميات ومذاهب متصارعة ، لا يرحم قويها ضعيفها ، ولا يأخذ غنيها بيد فقيرها ولا شقيها ولا ناجحها بيد عاثرها الحج يصبح ولادة لهذا الفرد المقصر المتردد ولهذا الأمة أيضاً وتستحق هذه العبادة الدرجة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم وبشر بها المؤمنين " العمرة إلى العمر كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وفي الحديث الآخر الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور" والحج المبرور هو الذي لم تخالطه الذنوب والمعاصي والآثام والمخالفات. فكيف نحققه ونحن نفعل في أنفسنا ما نفعل، حيث يأتي الحج والقتل مستمر بين العرب والمسلمين، والمناكفات لا تتوقف، وكيدنا لبعض لا يتوقف، وشماتتنا بمصائب بعضنا لا تتوقف، وتعصبنا لآرائنا واجتهاداتنا يضيق الأفق علينا، ويضيق السعة التي منحها الله لعباده، كيف إذن سيكون الحج ولادة جديدة للإنسان وبالتالي ولادة جديدة للأمة.

 

المسألة لا تتحقق بالدعاء وحده، والمال وحده، والإعلام الذي ينضح فينا وحده، والمظاهر والبهرجة وحدهما.. لقد حج النبي حجته الوحيدة التي عرفت في التاريخ باسم حجة الوداع، على دابة عادية ودون مواكب أو بهرجة وقال ما معناه: " اللهم حجة لا رياء فيها" وحجه وعبادته وسلوكه وسيرته هي التي يجب أن توجه الأمة أفراداً وجماعات وحكومات ودولاً ويجب أن تمثل الضابط لما نفعل وما نقول.

 

هذا هو السبب الأهم لتحقيق كل الانجازات والانتصارات سابقاً، وغيابه هو السبب الأهم للخيبات التي نعيشها، الحج ليس مجرد موسم للهدايا وحمل الألقاب ، بل هو فرصة لتأكيد انتمائنا لهذا الدين وهو فرصة لإجراء المراجعة والمحاسبة حتى تكون الولادة الجديدة لبناء الأمة ولادة حقيقية تحمل الخير وتقطع دابر الفتنة والتسلط والاحتراب!

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق