من ضم القدس والجولان الى ضم الضفة الغربية.. راغدة عسيران

من ضم القدس والجولان الى ضم الضفة الغربية.. راغدة عسيران
أقلام وآراء

بقلم: راغدة عسيران

يعدّ تراجع رئيس حكومة العدو عن إعلان الضمّ الكلي أو الجزئي لمناطق حيويّة في الضفة الغربية المحتلة، انتصارا أوليا لإرادة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، التي فجّرت الصراعات الداخلية في كيان العدو، بين الصهاينة المتحمسين والمترددين، وبين الذين ينتظرون الضوء الأخضر الأميركي والمباركة الأوروبية والعربية الرسمية، والذين يعتبرون أن العالم سيخضع لهم في النهاية مهما فعلوا. ولكن، التراجع عن الضمّ في الوقت الذي حدّده نتنياهو لا يعني إلغاء الفكرة، بل إرجاءها الى وقت آخر، لأن ضمّ الأراضي العربية الى كيان الاحتلال يشكّل أحد أساليب التوسع والسيطرة الصهيونية على المنطقة.

 

عملية ضم أجزاء من المناطق المحتلة، ليست الأولى في تاريخ الكيان الاستعماري الاستيطاني، بل سبقها ضم مدينة القدس مباشرة بعد حرب حزيران 1967، وقد تم شرعنة هذا الضمّ و"توحيد القدس" بقرار من الكنيست الصهيوني في العام 1980، وضم هضبة الجولان السورية المحتلة عام 1981.

 

لماذا يعلن العدو ضمّ أراضٍ محتلة الى كيانه المقام على 78% من أرض فلسطين؟ ما الفرق بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي "الملحقة" (القدس والجولان) بعملية الضمّ؟ وكيف تأثرت المناطق "الملحقة" بالكيان بهذه العملية؟ وهل الظروف الدولية والإقليمية (العربية) شجّعت الكيان على خطواته في ذلك الحين؟ وهل عملية الضم الحالية تختلف عن التي سبقتها وما هي نقاط الاختلاف؟

 

يسعى المشروع الصهيوني الى التمدّد،  كلما سنحت له الفرصة والقوة، على الأراضي العربية الممتدة ما بين النيل والفرات، تطبيقا لأساطير دينية أعاد الصهاينة إحياءها لتنفيذ مشاريع استعمارية. بعد إقامة الكيان الصهيوني على الأراضي التي احتلتها عصاباته قبل وخلال وبعد الحرب عام 1948، على 78% من أرض فلسطين، بما فيها الجزء الغربي من القدس، اعترفت الأمم المتحدة بهذا الكيان ووافقت في العام 1949 على انضمامه الى الهيئة الدولية، رغم توسّعه خارج الحدود التي حدّدها "قرار التقسيم".

 

بعد حرب حزيران 1967 واحتلاله لكافة الأراضي الفلسطينية، أعلن العدو عن ضمّ الجزء الشرقي من القدس الى كيانه، وتُرجم هذا الضم على المستويات السياسية والإدارية والديمغرافية.

 

سياسيا، جعل "القدس الموحّدة" عاصمته في العام 1980، وإداريا، قرّر العدو حلّ مجلس أمانة القدس العربي، واستولى على جميع ممتلكاته وسجلاته، وألغى القوانين والأنظمة العربية الأردنية لتحلّ مكانها الأنظمة الصهيونية. وسّع مدينة القدس لتشمل في البداية 20 قرية فلسطينية باتجاه الشرق، وديمغرافيا، تم طرد عشرات الآلاف من المقدسيين الى خارج فلسطين.

 

في الأراضي المحتلة، باشر العدو بسرقة الأراضي وشرعنة سرقته بتفعيل قوانين كان قد استخدمها في الأراضي المحتلة عام 1948، ولكن تمثّل ضمّ القدس بإضافة سياسة الأسرلة والتهويد (كما في الأراضي المحتلة عام 1948) وسياسة ديمغرافية خاصة بالمقدسيين، الذين أصبحوا "مقيمين دائمين" في مدينتهم، وليسوا "مواطنين" كفلسطينيي 48. كما أشارت الباحثة ناهد حبيب الله، "معنى "الإقامة الدائمة" الحقيقي هو أنه وضع مؤقت يكتسبه المهاجر الشرعي حتى يستوفي الشروط المطلوبة ليصبح مواطنا كامل العضوية. استخدمت "إسرائيل" المصطلح لتصف مجموعة من الناس ولدوا ويعيشون في بلدهم على أنهم مهاجرون الى وطنهم". رغم ذلك، هذه الإقامة ليست دائمة، بل يمكن إلغاءها لأسباب عدة، تطبيقا لسياسة التطهير العرقي والديني التي يتبعها الاحتلال في القدس.

 

تمثّلت سياسة الضم أيضا بسيطرة بلدية القدس الصهيونية على الجزء الشرقي من المدينة، حيث تم فصلها عن محيطها الفلسطيني وإهمالها ومنع تطورّها وعرقلة البناء الفلسطيني على أراضيها، التي تحوّلت جزئيا الى "مناطق خضراء"، بهدف "الترحيل الطوعي" للمقدسيين.

 

على مستوى التعليم، لم يتمكّن الكيان بداية من فرض مناهجه التهويدية، بسبب رفض المقدسيين للمدارس التابعة للبلدية والمعارف الصهيونية، ولكن استطاع الوصول تدريجيا الى مبتغاه، بعد الضغوط الهائلة التي مارسها على المدارس والمقدسيين، لا سيما بعد اتفاقيات أوسلو.

 

رغم الضمّ المعلن والمشرعن، لم يتمكّن الاحتلال من توسيع دائرة الاستيطان في القدس ومنطقتها، ولا التغلغل الاستيطاني داخل البلدة القديمة، ولا تفعيل قوانين سرقة الأراضي ولا تهويد المقدسات واقتحامها، ولا تهويد المناهج المدرسية، ولا تفتيت الأحياء العربية الى معازل، إلا بعد اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية، التي أرجأت البحث في مسألة القدس الى فترة لاحقة، ما شجّع الاحتلال على تطبيق الضمّ فعليا على الأرض، كأمر واقع لا يمكن التراجع عنه. ثم استغلّ انتفاضة الأقصى وأقام الجدار الفاصل وشدّد الحصار على القدس، لعزل المدينة نهائيا عن محيطها الفلسطيني والتفرّد بها وبأهلها ومقدساتها، لا سيما وأن الحاضنة العربية التي كانت تحمي نوعا ما المدينة من التهويد قد اختفت بشكل شبه كامل. رغم الضغوطات الهائلة والمضايقات اليومية، لم يستسلم المقدسيون الذين يستغلون كل الثغرات لرفض أسرلتهم (من خلال انتخابات البلدية الصهيونية ومشاريع تطبيع مجتمعي) وترحيلهم وتهويد مقدساتهم.

 

في هضبة الجولان السوري المحتل عام 1967، تختلف مسألة الضمّ، بسبب التطهير العرقي الذي نُفّذ مباشرة بعد الاحتلال، إذ تم تدمير معظم القرى السورية وتهجير أهلها. قرّر العدو ضم الجولان في العام 1981، كورقة ضغط على سوريا لاستئناف المفاوضات مع العدو وإنهاء الصراع. خلافا للمقدسيين، تُرجم ضم هضبة الجولان المحتل بمنح "المواطنة الإسرائيلية" لمن بقي من أهله، الذين رفضوها وما زالوا يرفضونها الى اليوم، كما رفضوا المشاركة في الانتخابات المحلية الأخيرة تحت سقف الاحتلال.

 

لم تعترف الأمم المتحدة بضم الجزء الشرقي من القدس والجولان الى الكيان الاحتلالي الصهيوني واعتبرت أن الضم مخالف للقانون الدولي، ولكن لم يشكل موقف الأمم المتحدة الرافض للضم ومواقف العديد من الدول والمؤسسات الدولية المماثل عائقا أمام الاحتلال الصهيوني، لأنها لم تترجم الى أفعال (حصار، مقاطعة، قطع العلاقات)، وبقي التهديد لفظيا، كما هو اليوم بالنسبة لمسألة ضم مناطق من الضفة الغربية.

 

رغم تشابه عمليات الضم التي ينفّذها الاحتلال من ناحية التوسّع وشرعنة سرقة الأراضي والتطهير العرقي، ثمة اختلاف بين ضم مناطق في الضفة الغربية وضم  الجزء الشرقي في القدس: لم يستطع الاحتلال تطبيق كافة إجراءاته التهويدية في القدس قبل موافقة منظمة التحرير على مبدأ المفاوضات معه وقبل اتفاقيات أوسلو ومن ثم تعطيل الحاضنة العربية لفلسطين والقدس، التي استغلها العدو لفرض واقع جديد.

 

أما في الضفة الغربية اليوم، فالمناطق المهدّدة بالضم قد فُصلت إداريا عن باقي الضفة الغربية بتصنيفها "ج"، فتم استيطانها وتفريغها من أهلها، وإعاقة تطورها مسبقا، قبل الإعلان عن نيّة ضمّها، كما هو واضح اليوم في منطقة الأغوار. وقد تم ذلك بوجود سلطة فلسطينية فضّلت ملاحقة المقاومين بدلا من حماية الأرض والشعب، تلبية لطلب المجتمع الدولي، لا سيما الاتحاد الأوروبي، مموّلها الرئيس.

 

قد تكون المسألة الديمغرافية المتعلقة بالوجود الفلسطيني في المناطق المنوي ضمها إحدى الأمور التي ستؤثر على عملية الضمّ. خلافا لمدينة القدس، لقد تم تفريغ هذه المناطق من أهلها قبل إعلان الضم، ما يعني أن "المواطنة الدائمة" ليست ضرورية في هذه الحالة لأنها منحت للمقدسيين بانتظار طردهم من مدينتهم. هل تمنح "المواطنة الإسرائيلية" كما منحت لأهل الجولان وقد رفضوها، ولفلسطينيي 48، الذين باتوا يشكلون "تهديدا استراتيجيا" على الكيان الصهيوني، بسبب عددهم اليوم؟ أم تتم عملية طرد جماعي من هذه المناطق لاستكمال التهويد، بتهيئة الظروف المناسبة؟

 

لا سبيل لمواجهة هذا الخطر إلا مقاومة مسلحة وانتفاضة شعبية شاملة تربك قوات الاحتلال على امتداد فلسطين، تدعمها الشعوب العربية والإسلامية بكل امكانياتها، ويدعمها إعلام فلسطيني وعربي ودولي يرفع من سقفها السياسي، من مواجهة الضم الى مواجهة الاحتلال على كل بقعة من فلسطين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق