معرفة الرجال بالحق وليست معرفة الحق بالرجال... الشيخ: نافذ عزام

معرفة الرجال بالحق وليست معرفة الحق بالرجال... الشيخ: نافذ عزام
دنيا ودين

الشيخ : نافذ عزام

من أهم المبادئ التي حاول الإسلام ترسيخها في الحياة، احترام العقل، والبعد عن التعصب لفكرة أو شخص أو جماعة، كون التعصب يلغي العقل، ويمثل استخفافا بهذه النعمة التي منحها الله للإنسان.

 

شكر الله على نعمة العقل والتمييز يكون باستخدام العقل بالشكل الصحيح، وعدم إلغائه أو تعطيله.. ومن أبرز أشكال إلغاء العقل هو ترديد الإنسان لكلام ومواقف غيره، ليس لقناعته بها، ولكن فقط لأنها تأتي من عائلته وعشيرته، أو من جماعته وحزبه، أو من طائفته ومذهبه، بحيث لا توزن بميزان الخطأ والصواب، والحق والباطل.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يكن أحدكم إمّعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس، أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم».

 

والحديث  هنا يمثل منهجا في التعامل مع الحياة ومتغيراتها، إذ لا يجوز بأي حال أن يلغي الإنسان عقله، ويعطل خاصية التمييز عنده، فيكون مع الجو العام، إحسانا أو إساءة.. وهو ما وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الوصف المدهش «إمّعة» أي تابعا ومقلدا وفاقدا للشخصية... فيكون مع جماعته وعشيرته إن أحسنوا أو أساءوا، في الخير والشر، في أمور الحق ومظاهر الباطل، فهذا نموذج مذموم ومرفوض فالمعيار الذي لا يجوز أن يغيب عن الإنسان هو المعيار الذي يقوم على نصر الحق، وإعلاء قيمة الحقيقة، بحيث يصبح الحق أهم ما في حياة الإنسان، وأن أية ارتباطات في حياته، تأتي في إطار البحث الدائم عن الحق دون مجاملة، أو تخاذل أو التفاف... ولذلك قال عليه الصلاة والسلام وهو يسعى لإقرار معايير جديدة في حياة الناس: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قال: أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن ظلمه فذلك نصره».

 

لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تقف مع إنسان أو جماعة إذا كان الحق في الجهة المقابلة، وإذا كان من تحبه هو المخطئ.. إن تقديس الأفراد والأفكار مدمر للعمل، بل وللحياة أيضا، والعقل وُجد ليكون أداة التمييز بين الأشياء والأفكار والبشارة، كما يقول القرآن الكريم لهذا الذي عليك القدرة والرغبة على التمييز بين الخطأ والصواب «والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه»، ولعلنا بحاجة لمقولة الإمام مالك رضي الله عنه: «كل أحد يؤخذ من كلامه ويُرد عليه إلا صاحب هذه الروضة» وكان يقف بجانب الروضة الشريفة -روضة النبي صلى الله عليه وآله وسلم- الإمام مالك يريد أن يهدم أصناما بناها الناس بتعصبهم وأهوائهم، أراد أن ينسف فكرة تقديس الأفراد والأفكار التي يطرحها هؤلاء الأفراد، وأن كل شيء خاضع للنقاش ويحتمل الصواب والخطأ، وأن كل إنسان معرض لهذا الخطأ إلا صاحب الروضة عليه الصلاة والسلام.

 

وكان الإمام العظيم أبو حنيفة رضي الله عنه يقصد نزع هالة التقديس التي تحيط بالأفراد والأفكار في مراحل كثيرة حتى لو كان التقديس يحيطه هو نفسه حين قال له أحد المبهورين بدروسه: «إن هذا الذي تقول لهو الحق الذي لا شك فيه» فردّ: «وما يدريني، لعله الباطل الذي لا نشك فيه».

وهو الذي كان يؤكد للجميع «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، مبدأ عظيم قدّمه إمام عظيم، لكننا اليوم نخالفه مخالفة صريحة، كان أبو حنيفة يقصد أن الحديث النبوي الصحيح أهم من مذهبه اجتهاده ووجهة نظره.. لكننا اليوم وبصراحة شديدة نقدم آراءنا ومواقفنا وأجنداتنا على كل شيء حتى على حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

نتشبث بآرائنا واجتهاداتنا ومواقفنا حتى لو تعارضت مع صريح الحديث، وحتى لو ضربت مصلحة الأمة والشعب.. والسبب الواضح هو تقديسنا لأفكارنا وشخوصنا، وعدم استعدادنا للإصغاء إلى غيرنا وكأن الحق أصبح ملكا حصريا لنا، لقد وقفت امرأة ذات يوم لتصحح لخليفة المسلمين وأحد اهم رموز تاريخنا، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي اعترف بشجاعة ونزاهة «أصابت امرأة وأخطأ عمر»، لذلك أصبح عمر أحد أهم رموز تاريخ الإسلام بل والتاريخ الإنساني...

 

عمر الذي كان الوحي يتنزل مصدقا لمواقفه، وقال عنه النبي ما قال، لكن هذا كله لم يؤثر أبدا في استقامة عقل عمر، وسلامة منطقه، لم يتكبر عن سماع وجهة النظر المخالفة حتى لو كانت من امرأة، بل وأكثر من ذلك، يُقرُّ أمام الجميع أن امرأة نطقت بالصواب.

 

لقد جعل الإسلام الحق هو الأساس والمعيار لتقييم الأفراد والجماعات والأفكار، ويحظى الإنسان بالاحترام كلما اقترب أكثر من هذا المعيار وكلما جعله موجها لسلوكه وعقله..

 

إننا نعيش أزمة كبيرة في هذا الجانب حيث أصبح الحق مرتبطا بالأشخاص والجماعات والطوائف، فإذا جاءت فكرة ما من شخص ما، تصبح مقبولة وعبقرية ودليل إبداع، وإذا جاءت نفس الفكرة من شخص آخر نختلف معه، تصبح مرفوضة وعقيمة ومليئة بالثغرات، وتزدحم حياتنا بالأدلة والأمثلة والشواهد، مما يضيع جهودا كثيرة وطاقات كثيرة، ويبدد الآمال بالتغيير الذي نحتاجه ونطمح إليه.

 

الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يُعرفون ويتقدمون بمدى قربهم من الحق وعملهم لنصره.. المشكلة أننا عكسنا هذا المبدأ العظيم واخترعنا معيارا يجعل الأفراد أهم من الحق ذاته!

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق