السيرك في غزة.. فرصة للقفز على جدار الحصار 

السيرك في غزة.. فرصة للقفز على جدار الحصار 
محليات

 

الاستقلال / جيهان كوارع

في صالة صغيرة تتوزع ألوانها بانسجام مع الأدوات البسيطة التي صنعوها بأيديهم لتساعدهم على اتقان تدريباتهم الخاصة، يؤدي أعضاء فريق «سيرك غزة» حركاتهم البهلوانية ويعيدون أداءها أكثر من مرة، ليخرجوا من هذه الصالة إلى الساحات العامة متقنين عملهم ومستعرضين مهاراتهم أمام الجمهور الذي لا يملك إلا التصفيق تعبيراً عن بهجته ودهشته من طبيعة الفنون التي ربما يراها لأول مرة داخل قطاع غزة  المحاصر.

 

وشهد قطاع غزة خلال الآونة الاخيرة اتجاه مجموعة من الشبان لإنشاء فرق متخصصة بفنون السيرك والتي لم تكتف بتقديم العروض أمام الجمهور، بل فتحت أبوابها لتعليم هذه الفنون لمن يرغب في تعلمها. 

 

الشاب أحمد مشتهى (29 عاما) من مدينة غزة مسؤول " فريق سيرك غزة "والذي أنشأ مؤخراً ما يعرف بـ "المدرسة الثقافية لفنون السيرك في قطاع غزة " أوضح أن الدافع وراء اتجاهه لإنشاء مدرسة لتعليم فنون السيرك جاء استكمالاً لجهود وفد أجنبي كان يرغب في انشاء المدرسة، لكن ظروف الحصار واغلاق المعابر حالت دون عودته إلى القطاع وعدم تمكنه من إقامتها.

 

حاجة للترفيه

 

وسخر مشتهى بمعاونة زملائه في الفريق المكون من 10 أعضاء جهده لتنفيذ فكرة المدرسة لكونها جديدة ولم تنفذ سابقاً في القطاع خاصة وأنها متعلقة بالسيرك الذي لم يعرفه الغزيون الا على شكل عروض على شاشات التلفاز، مؤكداً أن الظروف التي يعاني منها القطاع من حصار وحروب وحاجة الناس لأشياء ترفيهية قادرة على صنع البسمة وتوفير دعم نفسي لهم كانت هي الدافع الآخر.

 

وكان مشتهى قد تلقى تدريباته الأولى على يد الوفد البلجيكي على مراحل وفترات زمنية ثم اتجه لتطوير مهاراته عن طريق المقاطع التعليمية الموجودة على شبكة الانترنت إلى أن استطاع نقل خبراته لمجموعة شباب أخرى جمعتهم الموهبة، والظروف الصعبة لكونهم خريجين لم يجدوا فرصة العمل المناسبة لتخصصاتهم، وأيضاً الشغف بالسيرك وفنونه ليشكل فريقه قبل عامين.

 

وأشار مشتهى الى أن فريقه يتقن العديد من فنون السيرك منها السيرك الهوائي، وفن الجونقلير المتعلق بتبادل الكرات والحلقات، وفنون الكلوبس وديبلو، والتوازن على الاسطوانة، والأكروبات (الأهرامات)، والجمباز، بالإضافة إلى فن البريك دانس، والمهرجين، لافتاً إلى أن هذه الفنون يتلقاها المتدربون الملتحقون بالمدرسة ويشاهدها الجمهور في العروض المختلفة.

 

وبيّن مشتهى أن اقبال الناس على الالتحاق بدورات التدريب على فنون السيرك يزداد يوماً بعد يوم خاصة وأن ثمن الاشتراك الشهري يعد مناسباً للظروف الاقتصادية ،مشيرا الى أن الفئات العمرية للملتحقين تتنوع بين الشباب والأطفال.

 

ولفت مشتهى إلى أن نقص الأدوات اللازمة للتدريب وأداء العروض هو عائق كبير، قائلا " نحتاج الكثير من الأدوات وهي غير متوفرة في غزة وبالتالي قمنا بصنعها من مواد بدائية ومقتنيات عادية  فمثلاً اسطوانة التوازن صنعناها من المواسير البلاستيكية المخصصة للصرف الصحي، حيث كان التعامل معها في بداية الأمر صعباً للغاية".

 

وأضاف":" نعاني كذلك من عدم توفر مكان واسع ومناسب ومؤهل فالصالة التي نتدرب بها لا تتجاوز مساحتها 6 أمتار فلا نستطيع التحرك بحرية داخلها، فضلا عن قلة المدربين الذين يمنعهم الاحتلال من دخول القطاع بشكل دائم وقلة المشاركات الخارجية للفريق في مهرجانات ومسابقات عالمية"، منوهاً إلى أنه تم رفض سفر فريقه لخارج القطاع من قبل الاحتلال 3 مرات مما أفقدهم الكثير من الفرص لتطوير مهاراتهم.

 

طريق للعبور

 

لاعب السيرك طارق أبو شقير في العقد الثاني من عمره وجد أن موهبته في لعب الجمباز هي طريق للعبور إلى فنون السيرك وتعلم مهاراته المختلفة ليصبح ماهراً في تأدية عروضه السيرك، مؤكدا أنه أتجه لتعلم السيرك ليشغل نفسه في شيء متعلق بموهبته ويستطيع من خلاله الاختلاط بالناس ليكون سبباً لبهجتهم .

 

وأضاف أبو شقير  لـ"الاستقلال": " السيرك فن عالمي أردت أن أكون واحداً من الذين يدخلونه إلى غزة ويصبح على مرآى قريب من عيون أهلها "، مبيناً أن العمل في السيرك يحتاج إلى تدريب شاق وقائم على التركيز والدقة لأن أي خطأ مهما كان بسيطاً قد يؤدي إلى مضرة ويفسد العرض .

 

ويقدم أبو شقير مع فريقه عروضاً بهلوانية في الكثير من الفعاليات الخيرية والترفيهية التي تقيمها مؤسسات مختلفة في غزة ، لافتا الى أن هناك اعجاباً كبيراً من قبل الجمهور بتلك العروض التي يشاهدها جزء كبير منهم للمرة الأولى.

 

مهارة وإتقان

 

من جانبه، عبّر الطفل مهند شتات (9 أعوام) من مدينة جباليا عن اعجابه الشديد بالمهارات التي يتعلمها خلال التحاقه بدورة التدرب على فنون السيرك، منذ بداية الاجازة الصيفية التي اكتسب خلالها مهارات جديدة يتعرف عليها لأول مرة.

 

وأوضح الطفل شتات لـ "الاستقلال" أنه يحصل  من خلال التدريب على التسلية وقضاء وقت فراغه في تعلم فنون كان يعتبرها خيالا في عالم الرسوم المتحركة، مضيفا: " إن التدريب يتطلب التركيز واتقان المهارة بسرعة وفي كل مرة أعود للبيت بشيء جديد يجعل أهلى يطلبون مني اعادة ادائها أكثر من مرة أمامهم".

 

ويطمح شتات لأن يصبح في المستقبل لاعب سيرك محترف ويؤدي عروضاً تعمل على اسعاد الجمهور في قطاع غزة الذين يعانون الكثير بسب الازمات والحروب التي مرت عليهم.

 

تنمية المهارات

 

بدوره اعتبر أحمد حمدان أستاذ التربية الرياضية في جامعة الأقصى بغزة أن قيام الشباب بتطوير فنون السيرك وتنميتها داخل قطاع غزة خطوة رائعة وتفتح آفاقاً جديدة أمام نشر الرياضة بطرق مختلفة بعيداً عن الشكل التقليدي، مضيفاً "إن البداية قد تكون صعبة لهذه الفكرة ولكنها قادرة على التطور والنمو" .

 

وأكد حمدان لـ "الاستقلال" أن صفات الشباب الفلسطيني تتناسب مع متطلبات السيرك من مرونة ورشاقة ولياقة بدنية، وكذلك ما يتعلق بالأمور النفسية كالصبر والثبات والقدرة على التحمل، مشيراً إلى أن السيرك مرتبط بشكل كبير برياضة الجمباز ، فالشخص الذي يؤدي الجمباز بمهارة يستطيع أن يتعلم فنون السيرك بسهولة ويتقنها في وقت قصير .

 

وتابع : " الاهتمام بها يتضمن تشكيل اتحاد خاص بالسيرك وتوفير المكان المناسب للتدريب والعرض ، وفتح الابواب أمام اللاعبين للخروج والمشاركة في المسابقات والاحتكاك مع الفرق العالمية وخوض منافسات معهم ليكونوا قادرين على امتلاك الخبرة من اكثر من جهة، مشدداً على "وجود آلاف الفنانين والمواهب الرائعة التي تحتاج إلى من يظهرها ويكتشفها ويعرضها على الناس.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق