لتفريغ المكبوت

الكتابة على الجدران.. خربشات الشباب لمواجهة الأزمات

الكتابة على الجدران.. خربشات الشباب لمواجهة الأزمات
محليات

الاستقلال/ دعاء الحطاب

 

لم تعد منابر مواقع التواصل الاجتماعي كافية للتعبير عما يجول بخاطر الشباب في قطاع غزة، من أفكار وأحلام، حتى باتت الكتابة على الجدران مكاناً جديداً لذلك، على أمل أن تلفت الضمير الإنساني لمعاناة ما يزيد عن مليوني فلسطيني محاصرين في القطاع منذ ما يزيد عن عشرة أعوام.

 

 أدواتهم في التعبير بسيطة: «بخاخ» وجدار فارغ لأحد الأماكن العامة والمنازل السكنية، يخطون به كلمات وعبارات صغيرة تعبر عن معاناتهم ومأساتهم، «يا رب هجرة»، «بطالة موتتنا»، «انقسام قتل فرحتنا»، «خريجون غلابة» إلى أن وصل الحد ببعضهم لكتابة عبارات أكثر تشاؤما: « يا رب حرب لا تبقي ولا تذر»، في إشارة لغياب رغبتهم في الحياة.

 

وغزت ظاهرة الكتابة على الجدران في قطاع غزة، جدران المدارس والأماكن العامة والمنازل، للتعبير عن مشكلات الشباب والأزمات التي عصفت بالقطاع مؤخراً، والتي غالباً ما تكون مرآة للواقع المعاش وانتقاده.

 

ليس غريباً

 

لم يستغرب الشاب محمد جاد الله، وجود مثل هذه العبارات على أي جدار يصادفه، فهي نتاج طبيعي لما آلت إليه أوضاع الشباب في القطاع، فالضيق الذي يشعر به الخريجون والعاطلون عن العمل والمرضى وكافة المواطنين بحاجة لتنفيس، والذين لم يجدوا أمامهم وسيلة لتفريغه سوى الجدران كونها باتت الوحيدة التي تستمع لمعاناتهم بعدما نبحت أصواتهم وهم يناشدون ويستغيثون، ليؤخذ المثل الشعبي "الحيطان ليها ودان" على معناه اللفظي.

 

وقال جاد الله خلال حديثة لـ "الاستقلال": " في غزة أصبح كل شيء عادياً، فالحصار والظلم والأوضاع الصعبة التي نعيشها جعلتنا نتوقع ظهور أي شيء دون أن يصيبنا بدهشة، فبعد كل هذا لا نستغرب أن يفرغ الشباب ضيقهم على الجدران، التي كانت أيام الانتفاضة الأولى وسيلة لنقل الحس الوطني وكتابة شعارات المقاومة، فهي اليوم تنقل واقعاً مريراً نعيشه".

 

وأوضح جاد الله، أن هذه العبارات تعبر عن كل الشباب الغزي وما يعانيه من قبل الاحتلال والحصار والحروب والبطالة والانقسام وغيرها الكثير من الأزمات التي تعصف بالمجتمع، دون أن تكشف عن هوية كاتبها لأنها تهدف إلى إيصال رسالة لعل أحداً يلتفت لها.

 وأنهي حديثه غاضباً، "الغريب بالموضوع هو تقاعس المسؤولين عن حل مشاكل الشباب والمواطنين، بالرغم من كل الرسائل التي يحاولون إيصالها سواء عن طريق الجدار أو أي وسيلة أخرى" متسائلاً أين أصحاب القرار والمسؤولين من مسؤولياتهم؟ الم يشعروا بحجم الألم الذي يعتصر هؤلاء الشباب؟

 

تجسيد للواقع

 

في حين يري المواطن ابو خالد الجمل، أن الكتابة على الجدران تعبر عن قمة اليأس والحزن الذي وصل إليه الكثير من أهالي القطاع وخاصه فئة الشباب، معتبراً إياها وسيلة لتفريغ ما يجول بخاطرهم، لكنها في الوقت ذاته لا تأتي بنتائج تذكر كون كاتبها يبقى مجهولا والجدار لا يحقق أمنياته.

 

وأوضح الجمل خلال حديثة لـ "الاستقلال"، أن الشباب دائما بحاجة إلى مساحة للتنفيس عما بداخلهم، فالدول الأوروبية تنظم برامج معينة تساعد الشباب على ذلك، إما بصورة ممارسة انشطة رياضية او بصورة البوح وغيرها، لكن في بلادنا للأسف مساحة الحريات محدودة والنظرية الأمنية تحكم عقلية السلطات الحاكمة، لذا التنفيس ممنوع وقد يقود صاحبه للسجن، ولذلك أصبحت الجدران العامة وسيلة للتفريغ.

 

وأكد الجمل، أن بعض المقولات على الجدران تترك راحة نفسيه لدى قارئيها، خاصة تلك التي تعبر عنه وتجسد واقعه، إذ يشعر القارئ أن أشخاصا آخرين يشاطرونه مشاعره ومعاناته، مبيناً أن هذا الرضا يظهر في التقاط كثير من الشبان والشابات صوراً لكتابات محددة على الجدران ومشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي مع تعليقات مؤيدة أحيانًا، أو استخدامها لتعزيز أفكار لهم أرادوا قولها بشكل ساخر.

 

ولفت إلى أن بعض الشبان يستغلون الجدران في كتابة عبارات تتجاوز حدود الأدب العام، معبرة عن عدوانيتهم للواقع أو الأشخاص المحيطين بهم.

 

وسيلة للتفريغ

 

ومن جهتها أكدت ليلى أبو عيشة، المختص النفسي، أن الكتابة على الجدران في الأماكن العامة ما هي الا وسيلة تنفيسيه، تساعد في إسقاط ما بداخل الشخص من مشاعر وانفعالات نفسية على أكبر عدد ممكن من المجتمع حوله، سواء كانت إيجابية كطموح وأحلام يريدون الوصول إليها أو سلبية كالحزن والتشائم، دون مراجعة من أحد.

 

وبينت أبو عيشة خلال حديثها لـ "الاستقلال"، أن الظروف القاهرة، والوضع الاقتصادي الصعب، وقلة فرص العمل، جميعها أسباب أساسية في لجوء الشباب إلى كتابة مثل هذه العبارات، فحينما يقارنون أحلامهم بالواقع المر وقلة الإمكانيات بجمال الحلم المنتظر، يقتلهم القهر وقلة الحيلة ولا يجدون حلاً مؤقتًا سوى اللجوء إلى الكتابة على الجدران. 

 

وأوضحت أن كاتب العبارة يفضل اللجوء لهذه الطريقة لأنها أسهل من المواجهة المباشرة، حيث  يجد فيها راحته دون تكلّف، ويستطيع من خلالها التعبير عن نفسه دون انتقادٍ لشعوره، كذلك عدم تعرضه لأي مساءلة في حال كتب شيئاً يمس السياسة أو الوضع الأمني في البلاد، معتقدة أن أعمار كتابها تتراوح ما بين (18- 25 عاما) ويتميزون بشخصية خجولة وانطوائية لا تستطيع التعبير عن رأيها بشكل صريح، لكنهم يؤمنون أن الشعب بكافة فئاته سيشعر بما كتبوا.

 

وبينت أن بعض المقولات على الجدران تترك أثارها على الكاتب والقارئ في الوقت ذاته، فعلى الكاتب تشعره بنوع من الراحة والتخفيف عما بداخله كونه استطاع إيصال رسالته دون احراج أو مخاوف، فيما يشعر القارئ بشيء من المواساة من شخصٍ لا يعرفه لكنه يشعر بما في داخله، وكذلك يمكن أن تشحن همته في الوصول إلى هدف معين قد وجد مشجعاً له في عبارة كٌتبت.

 

وشددت أبو عيشة في نهاية حديثها، على ضرورة وجود مؤسسات وجمعيات حاضنة للشباب لأن الكتابة على الحائط والتفريع عما بداخلهم لا تكفي لحل مشكلاتهم، وأنهم إذا ما استطاعوا الوصول إلى ما يسعون إليه من وراء تلك الرسائل يمكن أن يتجهوا للطريق الخاطئ الذي قد يدمر حياتهم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق