عملية "جسر الموت" في ذكراها الـ ١٥.. براعة التخطيط ودقة التنفيذ

عملية
مقاومة

غزة / الاستقلال

يوافق اليوم الذكرى الـ 15 لعملية جسر الموت المشتركة، بين سرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وكتائب شهداء الأقصى، الذراع العسكرية لحركة فتح، وألوية الناصر صلاح الدين، الذراع العسكرية للجان المقاومة في فلسطين، والتي جهّز لها من بدايتها إلى نهايتها القائد في سرايا القدس الشهيد محمد الشيخ خليل.
 
 
 
وشكّلت العملية ضربة قوية للاحتلال الإسرائيلي، وكانت الأخيرة التي تلقاها جنود العدو على يد المقاومة، قبل انسحابهم من قطاع غزة، مما أدى الى مقتل 3 جنود "إسرائيليين"، بينهم ضابط، وإصابة 5 آخرين، فيما استشهد منفذاها يحيى أبو طه من سرايا القدس، وطارق سليم ياسين من كتائب الأقصى.
 
 
بداية الفكرة
 
 
بدأت فكرة تنفيذ العملية على "جسر الموت" الرابط بين مستوطنات الاحتلال ووسط قطاع غزة، بعد أن ساء المقاومة مشهد العذاب الذي يتعرض له أبناء شعبنا على حاجزي المطاحن و أبو هولي، بسبب هذا الجسر الذي كان مخصصاً لمرور قوافل جنود الاحتلال ومستوطنيه.
 
 
 
 
عرض القائد في سرايا القدس محمد الشيخ خليل، على قادة من كتائب الأقصى وألوية الناصر صلاح الدين، فكرة عملية معقدة تتم فوق الجسر، وطلب من قيادة الكتائب ترشيح استشهادي وإعداده للمهمة.
 
 
 
واستمرت عملية رصد الهدف و تصويره ورفع التقارير للقيادة المشتركة، لأكثر من شهرين، لأن المنطقة مرعبة وتضاريسها صعبة للغاية و محاطة بالأبراج العسكرية، لذلك ارتأت القيادة التروي و عدم التسرع في وضع الخطة بشكلها النهائي، و بعد انتهاء فترة الرصد اجتمعت القيادة الثلاثية و أعطت الموافقة على تنفيذ العملية على الجسر.
 
 
 
 
تم اختيار يحيى أبو طه من سرايا القدس، ويسكن في مدينة رفح، و طارق ياسين من كتائب الأقصى و يسكن بحي الزيتون جنوب مدينة غزة، لتنفيذ المهمة بدقة متناهية، لأن العملية تحتاج للياقة بدنية عالية، و سرعة حركة منقطعة النظير.
 
 
 
 
كما تم إعداد مجسم في منطقة تدريب الاستشهاديين شبيه بمنطقة العملية، وهو عبارة عن تلة رملية يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار على شكل التلة التي تحد الجسر من الجهة الجنوبية، حيث كان على منفذي العملية صعود التلة و الركض بسرعة لمسافة سبعين متراً في فترة زمنية قصيرة جداً، و تلقى الاستشهاديان تدريبات مكثفة على القنص والرماية واقتحام مواكب وسيارات العدو و إطلاق النار عليها لإيقاع أكبر عدد من القتلى بين الجنود و المستوطنين، إلى جانب تدريبات اللياقة البدنية المكثفة صباح مساء، وجلسات التثقيف الديني المستمرة.
 
الشيخ خليل وتجهيز الاستشهاديين
 
 
 
 
جهّز القائد الشهيد محمد الشيخ خليل الاستشهاديين وقام بعملية تدريب متواصلة للياقة البدنية، وكانت الروح القتالية العالية و الإصرار و العزيمة لدى الاستشهاديين لتنفيذ مهمة شاقة ومعقدة كعملية "جسر الموت".
خرج الشهيد المجاهد يحيى أبو طه، ورفيق دربه طارق ياسين عدة مرات لمعاينة مكان العملية قبيل تنفيذها بيوم واحد.
 
 
طرائف عند اختيار الاستشهاديين
 
 
 
 
ومن الطرائف التي حدثت أثناء اختيار الاستشهادي طارق ياسين أن القائد محمد الشيخ خليل عندما رآه للوهلة الأولى استغرب بشدة وقال :"لا أظن أن هذا الشخص يصلح لتنفيذ العملية"، وكان السبب في ذلك أن طارق كان قد أصيب بعدة رصاصات في الحوض واليد أثناء تنفيذه عملية استشهادية مشتركة في مستوطنة "نتساريم" سببت له بعض المشاكل الصحية و أثرت خاصة على لياقته البدنية، ولكن بعد أن رأى الشهيد الشيخ خليل الروح القتالية العالية و الإصرار و العزيمة لدى طارق اقتنع أن هذا الشخص هو فعلاً المناسب لتنفيذ مهمة شاقة ومعقدة كعملية "جسر الموت".
 
 
 
ومن طرائف التدريب أيضًا أن طارق ويحيى أثناء صعود التلة خرج عليهما ثعبان كبير، فمرا من فوقه دون الاكتراث له، و أكملا التدريب و كأن شيئاً لم يحدث.
 
 
لحظة الصفر
 
 
 
قبل الانطلاق للعملية بأربع و عشرين ساعة أوصى القادة، الاستشهاديين بزيادة احتياطاتهم الأمنية وكتابة وصيتهما، وتوديع أهلهم بنظرات العين فقط حفاظاً على السرية، وتم رصد الهدف للمرة الأخيرة على مدار الساعات الأربع و العشرين.
 
 
 
وقبل نقطة الصفر تم تأمين منفذي العملية في منطقة سرية، و راجعت القيادة معهما تفاصيل الخطة و نقاطها الحساسة، وتم تزويدهم بأجهزة خلوية للاتصال، ومتابعة التنفيذ معهما من غرفة العمليات المشتركة.
 
 
 
 
في تمام الساعة العاشرة من مساء السبت، الموافق 23-7-2005 تحركت السيارة التي كانت تقل الاستشهاديين باتجاه الهدف، و عند الوصول إلى نقطة معينة لا يمكن للأبراج العسكرية ملاحظة المنفذين فيها قفز يحيى وطارق من السيارة أثناء سيرها -لم تتوقف السيارة- و تمكنا من اجتياز أصعب مرحلة في العملية، وهي الوصول للتلة الرملية و أخذ مواقع آمنة دون أن يشعر بهما أحد.
 
 
 
 
كمن الاستشهاديان تحت الجسر لأكثر من ساعتين قبل بدء التنفيذ، لأن الأوامر لديهما ألا يتحركا من كمينهما لأي سبب من الأسباب، وكان الاتصال بينهما و بين الغرفة مستمراً لحظة بلحظة.
 
 
 
 
في هذه الأثناء بدأت المرحلة الثانية من العملية، وهي قيام وحدة الإسناد المشتركة بإطلاق نيران قنص باتجاه الأبراج العسكرية الصهيونية المحيطة بالجسر لخلق حالة من الإرباك في صفوف الجنود مكنت طارق و يحيى من أخذ مواقعهما بشكل أفضل، و انتظار الهدف المخطط له، وهو قوافل المستوطنين.
 
 
 
 
ومن الطرائف التي حصلت أثناء اشتباك وحدة الإسناد مع الأبراج العسكرية أن قوات الاحتلال أغلقت الحاجز أمام المواطنين، وركز الجنود والتعزيزات التي حضرت للمكان على الاشتباك مع وحدة الإسناد في منطقة بعيدة عن مكان طارق و يحيى، فكانت منطقة المهمة أكثر أماناً للاستشهاديين.
 
 
 
بعد الساعة الثانية عشرة انسحبت وحدة الإسناد، وبدأت الحركة تعود إلى الجسر بشكل طبيعي، و عند الساعة 12:10 أعطت وحدة الرصد إشارة بأن سيارة مستوطنين ستصل إلى مرمى طارق و يحيى خلال أربعين ثانية، وهي الفترة الزمنية التي يحتاجها المهاجمان لوصول الجسر، و بالفعل كان التوقيت موفقاً، فتزامن وصول السيارة تماماً مع وصول الاستشهاديين إلى المنطقة التي ستبدأ منها الرماية، وأعطيت التعليمات بالهجوم، فأطلق المجاهدان النار باتجاه السيارة، و أرديا من فيها قتلى قبل أن يرجعا إلى الكمين.
 
 
 
حضر للمكان جيب عسكري اشتبك مع يحيى و طارق اللذين أكدا أنهما تمكنا من تطهير من بداخله، وبعد ذلك تحركت قافلة مستوطنين باتجاه المكان فتمكن الاستشهاديان منها أيضا بسهولة، وكل هذه الأحداث تمت في غضون ساعة، أطلقت خلالها الدبابات والطائرات قذائفها وصواريخها في المكان بكثافة، إلى جانب النيران المكثفة من أبراج المراقبة.
 
 
 
 
بعد الجولة الأولى تحركت مجموعة الإسناد و أطلقت دفعة جديدة من الصواريخ و الرصاص و قذائف "الأر. بي. جي" على مواقع العدو لإعطاء المجاهدين قدرة على المناورة و التحرك.
 
 
معركة جديدة
 
 
بعد ساعتين تقريباً من العمل النوعي انقطع الاتصال بيحيى أبو طه في إشارة إلى ارتقائه شهيداً، بينما تمكن طارق ياسين من أخذ موقع متقدم يتابع من خلاله تحركات المستوطنين.
 
 
 
 
خيّم الهدوء على المنطقة، واعتقد جنود العدو أن العملية انتهت، بينما كان طارق يكمن في عرينه، وبدأ في خوض اشتباك جديد، حتى انقطع الاتصال به بعد آخر جملة قالها: "أنا الآن في موقع أرى من خلاله المستوطنين، ولا يروني"، ومن ثم أغلق الهاتف النقال لدواعٍ  يبدو أنها أمنية، ليرتقي بعد الساعة الخامسة من فجر الأحد 24-7-2006.
 
 
 
وحققت العملية نجاحًا كبيراً واعترفت القناة العاشرة الإسرائيلية، بمصرع 3 من جيش الاحتلال من بينهم ضابط بحرية، وخمسة جرحى بينهم عامي شاكيد، مسؤول أمن مستوطنات "غوش قطيف".

التعليقات : 0

إضافة تعليق