نظام الاعتراف الجديد لمعادلة الشهادات الجامعية غير الفلسطينية... معضلات وتطلعات

نظام الاعتراف الجديد لمعادلة الشهادات الجامعية غير الفلسطينية... معضلات وتطلعات
أقلام وآراء

د. خالد التلاحمة

أستاذ القانون الخاص- جامعة بيرزيت

 

لا يخفى على كلِّ خبير بنظم الاعتراف ومعادلة الشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي الأجنبية "المعترف بها"، أنَّ وزارة التعليم العالي الفلسطينية برغم ما حققته من إنجازاتٍ وتطوير في هذا الخصوص، إلاّ أنَّ ما تضمّنه قرار مجلس الوزراء الأخير رقم (7) لسنة 2020م بنظام الاعتراف ومعادلة الشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي غير الفلسطينية "المعترف بها"، وإن كان ينطوي في نظر البعض على إيجابيات تتعلق بتخفيف أعباء وتكاليف السفر والإقامة وإمكانية متابعة الطالب لتحصيلة التعليمي حيثما كان موجودًا، وأيضًا تعزيز النشر العلمي بالالتزام بنشر بحثين قبل مناقشة الأطروحة الجامعية في مرحلة الدكتوراة، إلا أنني أرى أن هذا النظام يحتاج منّا إلى مراجعة قانونية وتربوية شاملة، والوقوف على الآثار التي يحدثها على أرض الواقع سواء أكانت إيجابية أم سلبية، انطلاقًا من المصلحة الوطنية التي يمكن من خلالها رفع مستوى التعليم العالي الفلسطيني وجعله في مستويات الدول المتقدمة.

 

إنَّ هذه المقالة ليست معنية بالبحث في المعضلات التقليدية المتعلقة بسيرورة الاعتراف ومعادلة الشهادات غير الفلسطينية داخل اللجان المعنية في وزارة التعليم العالي، ولن أضيِّعَ وقت القارئ في مشكلات شكلية يمكن تلافيها بشيءٍ من حسن الترتيب الإداري، ولكنّني سأركِّزُ الحديث خلال هذه السطور حول نظام معادلة الشهادات الجديد الصادر بموجب قرار مجلس الوزراء الأخير رقم (7) لسنة 2020م لبيان ما يثيره من تساؤلات، وما يشوبه من قصور واضح في بنيته من النواحي الآتية:

 

  1. هناك ضرورة لإعادة صياغة التعريفات فيما يخص الدرجات الجامعية، حيث إنها جاءت غير دقيقة في الجانب المُتعلق بالمحتوى، من حيث:        
  • إنَّ عدد الساعات المذكور في التعريفات لا ينطبق على كثير من متطلبات إنهاء الدرجات الجامعية، وبشكل خاص درجتي الماجستير والدكتوراه. فعلى سبيل المثال، إنَّ عدد الساعات المطلوب إنهاؤها للحصول على درجة الماجستير (33) ساعةً، غير أن هناك بعض البرامج تتطلب (32) ساعةً! والأمر ذاته ينطبق على درجة الدكتوراة!.
  • كثير من الجامعات العربية، والجامعات الأوروبية) البريطانية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية(، تمنح درجة الدكتوراه عبر بحث دراسي فقط (الأطروحة الجامعية) ولا يوجد أي ساعات معتمدة، شريطة كتابة عدد من الأبحاث العلمية المحكمة، والحضور والمشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية المحلية والدولية.
  • من الضرورة بمكان أن يكون مضمون التعريف دقيقًا وموضحًا للتفريق بين الشهادات الجامعية في مجال العلوم الإنسانية والشهادات الجامعية في مجال العلوم الطبيعية، حيث إنّ تخصصات العلوم التطبيقية والهندسة والطب تختلف في متطلباتها، وأحياناً في عدد الساعات المطلوبة فيها، عن تخصصات العلوم الإنسانية؛ فتخصص الطب يبلغ عدد ساعاته المعتمدة ضعف عدد الساعات المعتمدة للحصول على درجة البكالوريوس في معظم تخصصات العلوم الإنسانية، وهذا مجرد مثال واحد في هذا الجانب.
  1. هناك حاجة لإعادة النظر في إلغاء شرط الانتظام والإقامة بشكل كلي، لاسيما وأن الأنظمة الخاصة بمعادلة الشهادات الجامعية في غالبية الدول الخليجية والعربية تشترط أن يقيم طالب الدكتوراه، مثلاً، ثلث مدة الدراسة كحد أدنى في بلد الدراسة، وهذا الشرط لم يوضع عبثًا، بل لتحقيق غايات وأهداف معينة تعود بالفائدة على الخريج، فأن يمضي الطالب جزءاً من مدة الدراسة في بلد الدراسة يعود عليه بفوائد كثيرة تتعلق بنقل المعرفة وتبادل الخبرات وتعرّف الطالب، عن قرب، على مناهج وأساليب وطرق التدريس في جامعات بلد الدراسة، والاستفادة من المراجع المتوافرة في مكتباتها، فضلاً عن أنه يقطع الطريق على كثير من أساليب التلاعب في الشهادات الجامعية أو اللجوء إلى شهادات من جامعات ليست ذات مكانة بهدف الحصول على الشهادة دون اعتبار لأهلية مصدرها وقيمته العلمية الوازنة، بالإضافة إلى إمكانية تعلم لغة البلدان الأجنبية التي يدرس فيها، والاطلاع النافع على تجاربها المعرفية والثقافية، والمشاركة في الندوات وورش العمل والمؤتمرات التي تعقد فيها، وكل هذا يُساعد على "التنمية المعرفية"، و"يصقل" شخصية الطالب نفسه، ويساعده في تبادل الخبرات والتجارب ونقل المعرفة بعد عودته وشروعه بالعمل في بلده الأم.

 

وإن كنت أتفهم كمقيم في الأراضي الفلسطينية العقبات العديدة التي يواجهها طلابنا للالتحاق بالدراسة في الجامعات الخارجية، والتي منها الظروف المادية وصعوبة السفر للخارج عند بعضهم، والتي قد يكون سببها، في بعض الأحيان، المنع الأمني من قِبل الاحتلال، إلا أن هذه الظروف جميعها، مع حسباننا لها، لا تصل إلى حد إلغاء مدة الانتظام والإقامة بشكل نهائي، فمثلاً في الأردن حدث تعديلات كثيرة على تعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية، وكان آخرها التعديلات بموجب التعليمات رقم (1) لسنة 2009م التي سهّلت من شروط الانتظام والإقامة في بلد الدراسة بإمكانية جعلها متقطعة، وفرّقت في ذلك بين تخصصات العلوم الإنسانية، التي جعلت مدة الإقامة فيها لا تقل عن (8) ثمانية أشهر، بحيث يمكن تجزئتها، على أن لا تقل كل فترة إقامة عن شهر واحد كامل، وبين تخصصات العلوم الطبية والصيدلانية، والعلوم الطبية التطبيقية، والعلوم الأساسية البحتة، والعلوم الهندسية، والعلوم الزراعية والبيطرية، وجعلت مدة الإقامة في بلد الدراسة سنتين دراسيتين على الأقل بواقع (16) ستة عشر شهراً، ويجوز تجزئتها بحيث لا تقل كل فترة إقامة عن شهر واحد، على أن تتوزع الإقامة على سنوات الدراسة ما أمكن.

وبناء على ذلك، فإنني أقترح ما يلي: 

  • الإبقاء على مدة الانتظام والإقامة؛ وأن يتم السماح بتجزئتها، دون تحديد مدة كل فترة إقامة، وفقًا لما كان منصوص عليه في تعريف السنة الدراسية بالمادة (1) من قرار مجلس الوزراء الفلسطيني السابق رقم (5) لسنة 2017م بنظام الاعتراف بمؤسسات التعليم العالي غير الفلسطينية ومعادلة الشهادات الصارة عنها، الذي ألغي ضمنًا بموجب المادة (28) من قرار مجلس الوزراء رقم (7) لسنة 2020م محل النقاش، شريطة أن تتوافق مع الدوام الرسمي للمؤسسة التعليمية التي يدرس فيها الطالب، وأن تتوزع الإقامة على سنوات الدراسة، وأن يستثنى من التقطع في الإقامة بعض تخصصات العلوم الطبيعية التي تتطلب قضاء فترة الإقامة كاملة دون انقطاع بحكم طبيعة التخصص على شروط الجامعات ذات الصلة.
  • أن يجوز، في حالات محددة حصرًا، إعفاء تطبيق شروط الإقامة على مَن يثبت للجنة العليا لمعادلة الشهادات، وبشكل رسمي، بأنّه ممنوع من السفر لأسباب أمنية، وهؤلاء يمكن النص، ولا سيما في تخصصات العلوم الإنسانية، على التزامهم بالتسجيل في الجامعات التي تسمح لوائحها بوجود مشرفين، مشرف في بلد الدراسة، ومشرف في فلسطين بلد إقامة الطالب، وهذه الجامعات كثيرة مثل جامعة عين شمس في مصر وبعض الجامعات الأوروبية والماليزية.
  • أن يسمح للجنة العليا لمعادلة الشهادات بمعادلة شهادات الطلبة الذين أنهوا كتابة أطروحاتهم وناقشوها باستخدام الوسائط التقنية الحديثة خلال فترة الظروف السائدة والمستمرة بسبب جائحة كورنا، إذا أثبتوا إنهاءهم لها، شرط الانتظام والإقامة حسب النصوص السابقة قبل صدور النظام الجديد. 
  1. هناك بعض المواد تثير التساؤلات بسبب غموضها، وتحتاج إلى إعادة صياغة وتوضيح، منها:
  • تضمنت ديباجة النظام ما نصه"... وبناءً على تنسيب وزير التعليم العالي والبحث العلمي/ رئيس مجلس التعليم العالي،...". هذه الصياغة تثير تساؤل بحاجة إلى توضيح مفاده، هل ناقش مجلس التعليم العالي هذا النظام؟ وهل هو من إقترحه؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يتم النص صراحة في ديباجة النظام على أنه جاء بناءً على تنسيب مجلس التعليم العالي في جلسته (رقم وتاريخ) بإعتباره صاحب الصلاحية سندًا للمادة (7/12) من القرار بقانون رقم (6) لسنة 2018م بشأن التعليم العالي التي نصت على أنه: " يمارس المجلس الصلاحيات الآتية:... 12. إقتراح الأنظمة، وتنسيبها لمجلس الوزراء لإصدارها".
  • المادة (3/1/ه) تحتاج إلى تفصيل أكثر لآليات تنسيب واختيار أعضاء اللجنة، والوضوح في مسألة النص، وبشكل صريح، ضرورة أن يكونوا من مؤسسات التعليم العالي الفلسطيني من ذوي الاختصاص والخبرة، وأن يمثلوا حقول المعرفة المختلفة.
  • المادة(4) يفضل أن يكون تشكيل اللجنة الفنية وتنسيب الأسماء من قبل وكيل الوزرارة وليس المدير العام لأهميتها ونوعية المهام الموكلة إليها، إلى جانب أن تكون برئاسة الوكيل وينوب عنه المدير العام في حال غيابه.
  • إلغاء كلي للفقرة 5 من المادة (10) والاقتصار على المؤسسات الجامعية المعترف بها فقط (معاهد، كليات، جامعات)، بالإضافة إلى إلغاء المادة (11)؛ بالنظر إلى أن الحق في اتخاذ الإجراء القانوني بحق أي شخص قدّم مستندات أو وثائق مزورة مكفول للوزارة وفقًا للتشريعات السارية دون حاجة للنصِّ عليها.
  • المادة (13/4) التي تشترط ذكر عدد السنوات في وثيقة الاعتراف والمعادلة، تحتاج إلى تعديل في الصياغة كونها لا تنطبق على الشهادات الصادرة من جامعات تعتمد نظام الساعات المعتمدة فقط.
  • المادة (16/3) اشترطت للاعتراف بالشهادة ومعادلتها بدرجة الدكتوراة ألا تقل مدة البرنامج عن سنتين دراسيتين من تاريخ الالتحاق الفعلي، في حين اشترطت المادة (24/5) من القرار بقانون رقم (6) لسنة 2018م بشأن التعليم العالي لمنح درجة الدكتوراة إنهاء (48) ساعة دراسية معتمدة كحد أدنى، شاملة لأطروحة الدكتوراة، أو ما يعادلها بعد الحصول على درجة الماجستير، وخلال مدة لا تقل عن ثلاث سنوات في الجامعات الفلسطينية، وهو أمر يبدو غريبًا وغير مفهوم، إذ كيف يتم التوفيق بين نص النظام على شرط السنتين على الأقل لمعادلة شهادة من درس في الجامعات غير الفلسطينية بالخارج، ونص القانون على شرط مضي ثلاث سنوات على الأقل لمعادلة شهادة من درس في الجامعات الفلسطينية، ألا يُستدعي ذلك إعادة النظر في المدة المنصوص عليها في المادة (16/3)، أليس من المنطقي أكثر أن تكون مدة السنتين لمن يدرس في الجامعات الفلسطينية، وليس لمن يدرس في الخارج، بالنظر إلى أن الطالب الذي يدرس في الجامعات الخارجية أعفي بموجب هذا النظام من شرط الانتظام والاقامة، وإن كنت بكل الأحوال مع أن لا تقل المدة عن ثلاث سنوات دراسية سواء أكانت الدراسة داخل أو خارج فلسطين.
  • المادة (18) تثير تساؤلات حول هل فلسطين من الدول المنضمة لإعلان بولونيا بخصوص التعليم العالي في أوروبا؟ ولماذا تم النص على هذا الإعلان تحديًدا؟ وهل تم دراسة مدى تأثيره على التعليم العالي في فلسطين؟ وهل تم النظر إلى باقي المعايير والأسس الدولية في هذا الخصوص؟ ولماذا تم في الفقرة (د) التركيز على النظام الأوروبي دون الأنظمة الأكاديمية العالمية الأخرى مثل الأمريكية والصينية والروسية؟
  • المادة (19/2) نصت على أن أحكام الفقرة (1) منها تسري فقط على كل طالب جديد يلتحق بمؤسسة تعليم عالي غير فلسطينية بدءاً من العام الأكاديمي 2020/2021م، وهو أمر يبدو غريبًا وغير واضح، فكيف يتم التوفيق بين إلزام من سيتم معادلة شهاداتهم من الملتحقين بالدراسة في الخارج بدءًا من العام 2020/2021م بشرط تقديم بحثين مقبولين للنشر في مجلات علمية، واستثناء من التحقوا في العام 2019/2020م وما قبل من هذا الشرط (البحثين) ومن شرط الاقامة، علمًا بأنه لا يوجد بينهم سوى سنة دراسية واحدة! فما الذي استجد لوضع هذا النص، والتراجع عن نصوص النظام رقم (5) لسنة 2017 الذي لم يمضي على صدوره مدة لا تصل إلى ثلاث سنوات.
  • أعطت المادة (26) لكل ذي مصلحة، وذلك خلال سنة من تاريخ النفاذ التقدم بطلب إعادة النظر في شهادته التي لم تعادل سابقًا بموجب أحكام هذا النظام، وهو أمر يثير التساؤل حول الهدف من سريان هذا النظام بأثر رجعي؟ وإذا كان التوجه عند إعداده نحو سريانه بأثر رجعي، لماذا لم يتم النص على إلزام من لم يحققوا شرط الإقامة بتقديم بحثين منشورين لضمان توفر شرط واحد من الشرطين البحث أو الإقامة، حتى لا يكون هناك ظلم لنظرائهم الذين درسوا معهم في نفس الفترة وأخذوا إجازات من عملهم، وتكبدوا نفقات السفر والمعيشة في بلد الدراسة لتحقيق شرط الإقامة.

إنَّ التفاوت في معايير الاعتراف والمعادلة واختلافها عن المعايير المألوفة دولياً، لاسيما في دول لديها جامعات ذات مكانة متميزة، من شأنه أنْ يؤدي إلى نتائج سلبية تنعكس على واقع التعليم العالي ومخرجاته في البلد. كما أن عدم النظر إلى احتياجات السوق والآثار المالية وفق دراسات جادة، يطرح تساؤل حول الحقوق المالية للعاملين في مؤسسات الدولة الفلسطينية الذين أكملوا دراساتهم العليا في الخارج ولم تعادل شهاداتهم بموجب النظام السابق، فهل سيتم إحتساب حقوقهم المالية من تاريخ حصولهم على شهاداتهم، أم من تاريخ معادلتها من وزارة التعليم العالي؟

 

وعليه، وانطلاقًا من حرص الأكاديميين، وأنا منهم، على مستقبل التعليم العالي في فلسطين، وعدم خلق حالة إرباك لدى الجامعات الفلسطينية العريقة والرائدة التي تسعى لتجويد كوادرها واستقباب كفاءات لديها إحتكاك فعلي بمدارس الدول الأخرى التي تخرجوا من جامعاتها، فإننا نهيب بمجلس الوزراء، ودولة رئيس المجلس الدكتور محمد اشتية الذي له باع طويل في العمل الأكاديمي، ومساعي دائمة للمحافظة على جودة التعليم الذي تفاخر به فلسطين العالم كله، بأن يقوم بإعادة النظر في هذا القرار وإتاحة الفرصة لتشكيل فريق وطني متخصص للوقوف إلى جانب وزراة التعليم العالي في مناقشة كافة المسائل ذات الصلة بما فيها هذا القرار، لتدراك جميع الثغرات الموجودة ووضع معايير متوازنة بعد نقاش وتشاور مع كل الجهات الشريكة وذات العلاقة؛ لتجويد متطلبات الاعتراف ومعادلة الشهادات الجامعية غير الفلسطينية، والخروج بمقترح نظام جديد ينسجم مع المعايير المألوفة عربيًا ودوليًا، ويخدم تطلعاتنا في تحقيق الغايات والأهداف المرجوّة، تلك التطلعات التي، للأسف الشديد، لا يستطيع هذا النظام الصادر أن ينهض بها أو يحملها!.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق