القدس القدس... محمد الفاتح

 القدس القدس... محمد الفاتح
أقلام وآراء

كتبها: محمد الفاتح لـ"الاستقلال" بتاريخ: 8/9/1995

صنفان من الناس لم تأخذهم احتفالات ما يسمى ( القدس 3000) على غرّة: المتمرس خلف السيف، والمتسلح بوعي التاريخ.

 

ما من يوم تطلع فيه الشمس التي مات تمثالها في "رودس"  التي شطرت "هدنتها" القدس عام 1948, إلا وتتأكد صحة كلمات "توفيق الطيب" عن سقوط القدس في الخامس من حزيران عام 1967. لقد اعتبره أخطر من سقوط القدس على يد الصليبين في المشرق، وأخطر من سقوط قرطبة على أيديهم في المغرب، وأخطر من سقوط بغداد على يد التتار.

 

عندما خرج المسلمون من مسرح التاريخ في الأندلس ودّع "أبو عبد الله الصغير" آخر ملوك المرابطين غرناطة وهو يبكي على ظهر السفينة, وقالت أمه "فاطمة" يومها قولتها الشهيرة: "ابك بكاء النساء على ملك لم تدافع عنه دفاع الرجال".

 

لولا النهي والحرمة في الدين لقلت إن من حق "فاطمة" لو عادت أن تلطم الخدود وتشق الجيوب على أمة "تشرب مع عدوها شرب الغانيات نَخْب سقوط القدس التي لم تدافع عنها دفاع الرجال! "ألم يقل" أبو عبد الله الكبير!!" لصليبيي وتتار اليوم في زمن ملوك الطوائف الجدد, وهو يحلّق بالطائرة في سماء القدس "أنا سعيد برؤية بلادكم الجميلة"!.

 

قبل أيام أطلق رابين شرارة ما يسمى احتفالات (القدس 3000) بخطابه الأسطوري الناري الذي لا أدري كم عياره على مقياس "ريختر"!.

 

خطاب رابين لا يزيف الوعي الإنساني للتاريخ فقط, بل يفترسه ويقول للعالم كلّه: الآن يدخل التاريخ كلّه بيت الطاعة اليهودي ويناديه رابين من خلف السيف على أبواب الكنيست: (اخلع نعليك انك بالواد المقدّس طوى). خطاب رابين هو صك تأليه "الإسرائيلي" وتفوقه على العالم، كما تفوق اليهودي على الجنس البشري في العقيدة اليهودية. لقد قال في خطابه: "منذ اليوم الذي خلق الله فيه الشعب اليهودي على صورة الله والقدس هي مجدنا"!.

 

لم يقتصر هدف الدولة اليهودية من هذه الاحتفالات على " تثبيت واقع القدس في الوعي الجماعي "الإسرائيلي" والعالمي كقلب الأمة اليهودية " كما جاء قبل عام في بيان لحكومة رابين، وكما أكد الأخير في خطاب افتتاح الاحتفالات. لقد أرادت الدولة اليهودية بهذه الاحتفالات أن تقول للعالم إن عمر "دولة إسرائيل " في فلسطين هو ثلاثة آلاف سنة!

 

وأخطر من هذا أن "إسرائيل" تهدف بهذه الاحتفالات إلى إعطاء القدس (عاصمتها الأبدية والموحدة!) صفة  "العاصمة – العالم" (حسب تعبير المؤرخ قرنان بروديل)، وهي صفة هجرت حوض المتوسط منذ سقوط الأندلس واكتشاف العالم الجديد في القرن الخامس عشر، وانتقلت إلى امستردام، ولندن، وباريس، ونيويورك. لقد فهم العالم الغربي – لا سيما الأوروبي– هذا المغزى فقاطع سفراؤه – إلى جانب اعتبارات أخرى- الاحتفالات.

 

ولكن، أين العرب من كل هذا؟! وهل ما زالت القدس مهوى قلوب الملايين من العرب والمسلمين؟! للشعوب المغلوبة على أمرها: نعم، وللحكومات التي تراهن على سلام رابين فهي على لسان (شريكنا): " قلب الشعب اليهودي"، وربما لن يمر وقت طويل حتي تصدر وزارات الداخلية "العتيدة" تعميماتها أن من يهوى اليهودي يهوى القدس لأنها قلبه!

 

هل في العالم اليوم قدرة تفوق قدرة العرب على تحمل عربدة "إسرائيل" وزيفها؟!

 

القدس العربية الكنعانية قبل "ثلاثة آلاف" رابين المزعومة بآلاف السنين فتحها للإسلام الفاروق عمر، صاحب الفتح والكشف الرباني "يا سارية الجبل الجبل".

 

هل يخطئ من يقول إن رابين يُلقي خطابه من على ظهر "الحصان العربي" الذى يُمسك بخطامه "أبو لؤلؤة المجوسي" ويجوب بخنجره المسموم شوارع الوطن الإسلامي من طنجة إلى جاكرتا يبحث عن ابن الخطاب في المحاريب ويصبح " يا رابين: رامات غان. رامات أشكول"!

 

قبل بدء تنفيذ اتفاق أوسلو، حدثونا عن انبعاث فلسطين وأننا " لا تفصلنا إلا أيام عن موعدنا مع التاريخ"!!.. سرق رابين في احتفالاته التاريخ بعد أن أفلت بسرقة الجغرافيا، وقبل هذه وتلك أفلح بسرقة عقولنا ورؤوسنا.

 

قبل سنين كنا نسأل المتعاطفين مع قضيتنا مع الغربين: متى يخرج العقل الأمريكي من المعتقل الإسرائيلي"؟ اليوم يجيبوننا بصراحة ووضوح: عندما يخرج العقل الفلسطيني من الزنزانة الصهيونية!

 

نعم.. يجب أن نفكك المستعمرات الصهيونية التي جرى تركيبها في عقولنا قبل أن نتحدث عن تفكيك المستوطنات على الأرض، علّنا نُبصر الحقيقة، ونعرف كم بقي من القدس "المؤجلة" لنطالب به أو نتفاوض عليه يوماً ما.

 

في اتفاقية الهدنة التي وقعت في "رودس" عام 1948، كانت مساحة "القدس الغربية" التي احتلتها "إسرائيل" 16 ألف و262 دونما، ومنذ احتلال بقيتها وإعلان ضمّها عام 1967، استولت "إسرائيل" على مساحة شاسعة من الأرض ضمن مشروع "القدس الكبرى" التي أصبحت مساحتها عام 1994 ما يزيد على 123 ألف دونما.

 

أمام زحف غول الاستيطان اليهودي إلى بيت المقدس، دأب العرب والفلسطينيون إلى الحديث عن "القدس الشرقية" بأنها القدس العربية التي يطالبون بها! لكن أين هي هذه "الميني القدس" وكم بقي منها ومن سكانها؟ لقد استولت "إسرائيل" على 79% من أراضي "القدس الشرقية" ولم يبق منها إلا 21% موزعة كالتالي: "10% يقطنها 155 ألف فلسطيني، مقابل 166 ألف يهودي يسكنون الـ79% المصادرة؛ 7% غير داخلة في التنظيم؛ 4% داخلة في التنظيم، والنسبتان الأخيرتان عرضة للمصادرة!

 

وأهل القدس التي اُختصرت فلسطينياً؛ لتصبح مرادفا لـ الأورينت هاوس" ما هي أحوالهم؟. منذ تطبيق اتفاق "أوسلو" بلغ عدد العائلات المقدسية التي تقدمت بطلب الجنسية الإسرائيلية خمسة آلاف عائلة مقابل 120 عائلة طيلة 27 سنة من الاحتلال، هل هناك حاجة للحديث عن المزيد من بركات "أوسلو"؟!

 

هل من أحد يمكن أن يقنعنا أن مشروع التسوية الراهن يمكن أن يُعيد لنا القدس وأي قدس؟.

 

وهل هناك من يمكنه أن يزعم أن أحداً سوى "إسرائيل" يستطيع أن يقرر مصير القدس؟!

 

لا تنتظر جواباً لهذه الأسئلة، لكن حين تطاردنا صيحاتهم في المحاريب فلا نملك إلا أن نصرخ في العرب والمسلمين: القدس القدس!

 

محمد الفاتح: الاسم الحركي للراحل الوطني الكبير الأمين العام السابق لحركة الجهاد اإسلامي د. رمضان شلح

التعليقات : 0

إضافة تعليق