رسالة من صديق .. محمد الفاتح

رسالة من صديق .. محمد الفاتح
أقلام وآراء

كتبها محمد الفاتح لـ"الاستقلال" بتاريخ: 1/9/1995

 

طال الشتات وعافت خطونا المدنُ

 

وأنت تُمعن بُعداً أيها الوطنُ

بهذا البيت من شعر "مُريد البرغوثي" استهل صديقي, الذي تطحن الغربة روحه, رسالته لي قبل أيام.

 

كسابقتها من الرسائل, فتحت رسالة صديقي المكلوم, مواجع وجروح ظننت أنها اندملت بدخولنا "عصر السلام"، الذي استبدل فيها المحتل عقود الإيجار واتفاقيات الاذعان بالدبابات وراجمات الصواريخ.

 

كم أتمنى لو كنت أقدر أن أُطلع القارئ على كل ما في هذه الرسالة! وليس ذلك نابع من حرصي على "كتم الأسرار", بل من رغبتي في تفادي "كتم الأنفاس" الذي في ظله لا أدري كم ستطول علاقتي بالقارئ في هذه الزاوية؟!

 

صديقي مشاغب يتحدث عن الاختراقات الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة.

 

أي هو من يخوض في الممنوعات من طراز إعادة اكتشاف "إسرائيل المسالمة" بعد أن شاخت بزيّ المظليين ولُب "النابالم" تحت جلودنا لأكثر من سبعين عاماً.

 

صديقي يجلدني بالحديث عن الجيل الفلسطيني الذي هزته الريح "الإسرائيلية" فتناثر قطعا تحترف ابتكار الأوهام وتسابق "غريمنا" في نزع ألغام الإسلام الجهادي عن طريق السلام الأمريكي!.

 

بالأمس قررت الكتابة له فلم أنجُ من اللحظة الفلسطينية الدامية والمؤلمة. قلت في مسودة رسالتي: "لا تصدق الإعلام الغربي والصهيوني المعادي.. نحن هنا بخير وألف خير.. الدولة قامت والحمد لله و"عقبال" الإمبراطورية التي لن تغيب عنها نجمة داود عما قريب.. إيّاك وسموم الإذاعات الغربية, وهل ما زلت على عهدك بـ" صوت العرب" يا ابن العرب؟ توفيق السواركة كان (متهماً بالتآمر على أمن الدولة) هل يرضيك هذا يا صديقي؟ المسؤولون عندنا يؤكدون أنه فقط (تعرض لبعض أنواع العنف البسيط) وهذا أمر جيد, فعندما يعم السلام والاستقرار, كما هو عندنا تصبح الحياة راكدة لا طعم لها.

 

لذا فإن (قليلٌ من العنف يفرح القلب يا أخي!) ورجال القانون عندنا أكدوا أنه (خطأ فردي) لن يعكر "صفو السلام" ورغد العيش الذي نحياه, بل يجب كما قال (قانوني كبير) عندنا لإذاعة لندن: (يجب أن نستخلص منه العبر).

 

أجل يا صديقي, يجب أن نستخلص منه العبر, وأنت أستاذ العبر والعبرات. ألم تحدثني في رسالتك عن حكمة الزعماء الذين "فقعونا" آلاف الخطابات طيلة عقود مضت عن أن إنشاء "إسرائيل" خطأ تاريخي فادح في المنطقة واليوم اكتشفوا بعد أن هدتهم أمريكا أن الاعتراف بالخطأ فضيلة ؟!.

 

توقفت عن الكتابة لصديقي الذي طلب مني سابقا أن أساعده في العودة إلى الوطن, وعدت أتفحص رسالته للرد على بعض ما فيها ففوجئت أنه يصرخ في:

 

"لماذا أنت هناك, وكيف تُطيق العيش في وطن يغرق في طقوس الهزيمة؟ كيف تستطيع التنفس في مستنقع تنمو فيه الطحالب التي تحمل الشعب من تهاني العزاء (بالشهداء) إلى تعازي الأفراح (بمقتل الأعداء)؟!

 

هل تنتظر الموت في غابة "البرغش"  الذي يهشّ في وجهك ولا يؤذيك إلا بامتصاص دمك؟!

 

عيرتني يا محمد, ذات مرة, أنني أحوم حول مزابل أوروبا, وناشدتني أن أعود لأنني لن أجد فيها الوطن.

 

وحين استجبت ودققت فلذات كبدي أوتاداً في الوطن ماذا فعلت لي يا محمد؟!

 

أنا لا أفتش عن الوطن في مزابل الغرب, بل أبحث فيها عن صورة الحاكم العربي الذي جعل نفطنا سلاحاً في أيديهم ضدنا, أو الذي حكم على صورة الوطن أن لا تكون في الوطن.. ولكن هل تستطيع أن تقول لي ماذا تفعل أنت بمراياك المهشمة يا محمد ؟!

 

محمد الفاتح: الاسم الحركي للراحل الوطني الكبير الأمين العام السابق لحركة الجهاد اإسلامي د. رمضان شلح

التعليقات : 0

إضافة تعليق