"بيت العنكبوت".. سرايا القدس تخترق جهاز الشاباك.. حسن لافي

أقلام وآراء

حسن لافي

أبرز الفيلم الوثائقي "بيت العنكبوت" الذي بثَّته قناة "الميادين" لسرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، نجاح جهازها الأمنيّ في إدارة عمليات أمنية معقدة، وعلى فترات زمنية طويلة، لا تهدف إلى تحصين جبهة المقاومة الداخليّة فقط، من خلال توفير مناخات أمنية مناسبة لاستمرار نجاحات عملها المقاوم الشعبيّ والعسكريّ على حدّ سواء، لكنّ الأمر تعدّى ذلك إلى القيام بعمليات أمنية ذات طابع هجومي اختراقي لمنظومة التّجنيد والسيطرة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك"، وتحقيق انتصارات أمنية على المسؤول الأول عن الأمن داخل "إسرائيل"، الذي يحيط نفسه بهالة من السرية الأسطورية المضخمة، ليس عند الفلسطينيين وحدهم، لكونه صاحب الصلاحية الأمنية للتعامل معهم، ولكن عند الإسرائيليين أنفسهم، حيث بات "رجال البدروم المظلم" اللقب الذي يطلق على عناصره في الأوساط الإسرائيلية.

 

فيلم "بيت العنكبوت" مؤشر حقيقيّ على تطوّر فعل المقاومة بشموليتها، ففي الوقت الذي بات الهجوم مركباً أساسياً في عقيدتها القتالية، كما هو الدفاع، أضافت "إسرائيل" في المقابل مرتكز الدفاع إلى عقيدتها العسكرية منذ العام 2006، وبات الدفاع يتجذر أكثر وأكثر في عقيدتها العسكرية، رغم أن تلك العقيدة بُنيت على جوهر الهجوم في أساس نشأتها، فبعد ما يقارب 7 عقود على إقامة "دولة" الاحتلال، أدركت أنها باتت تواجه أعداء يختلفون عن أعدائها التقليديين من دول الطوق العربي، التي استطاعت هزيمتهم مجتمعين في حرب الأيام الستّة في العام 1967.

 

عدوّ "إسرائيل" المركزي حالياً حركات مقاومة لا دالاتية، تمتلك على المستوى التنظيري إيديولوجيا فكرية لا يمكنها التعايش مع الحركة الصهيونية بالمطلق، والأهم أنها ذات خلفيات دينية تمنح مقاتليها الروح المعنوية الدافعة لاستمرار المواجهة، رغم كبر التضحيات.

 

أما على المستوى العملياتي، فإنَّ حركات المقاومة نجحت في إدخال الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى ميدان المعركة، الأمر الَّذي سعت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية دوماً لعدم حدوثه، أي نقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي، سواء من خلال العمليات الاستشهادية داخل المدن الإسرائيلية في بدايات نشأة العمل العسكري لحركات المقاومة، أو من خلال التطور النوعي في ترسانة الصواريخ والقذائف للمقاومة، كسلاح هجومي نوعي يغطي شعاع استهدافه الكل الإسرائيلي، مع قدرة على شل الاقتصاد الإسرائيلي وتعطيل الحياة اليومية للمستوطن الصهيوني لفترات طويلة، ما يشكّل خطراً استراتيجياً من الممكن تطوّره إلى خطر وجودي، كما تتحدث تقديرات مراكز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلية. 

 

تنبع العقيدة الهجوميّة للمقاومة على بيت العنكبوت من رؤية مختلفة بالمطلق عن الناظرين إليه من بعيد، فهي لا تنخدع بشكله الهندسي المنتظم، ولا ترهبها الحالة الخادعة من أسطورية القوة التي تدَّعي أنها لا تهزم، لأنها متيقّنة من أنَّه مع أول احتكاك حقيقي مع بيت العنكبوت تتكشف خيوطه واهنة ومجتمعه متصارعاً، حيث أساس فكرة بقائه خلق جدار حديدي في عقل عدوه بأن لا قدرة له على مواجهته. لذلك، من الأجدى له عدم المواجهة، لكن أصحاب العزيمة والإرادة على المقاومة بطابعها الهجومي، لديهم الثقة بقدراتهم وأدواتهم، مهما كانت لا تتناسب بالكم والنوع مع أدوات القوة الصهيونية، لكنها قادرة على مراكمة النجاحات المتولدة من فعل مقاوم على مدار الساعة، يتابع ويشاهد ويرصد ويحلّل ساكني هذا البيت الواهن، ما يجعل المقاومة مدركة لنقاط ضعف مجتمع العنكبوت، ومسارب نفوس أفراده، وحقيقة سلوكهم، وطبيعة أساليب تخطيطاتهم على المستويات كافة، وفي جميع الظروف.

 

والأهم، باتت المقاومة على قناعة تامة بقدرتها على تحقيق الانتصار تلو الانتصار على بيت العنكبوت، رغم كل زخارف قوته الشكلية، وخصوصاً إذا تكاملت طاقاتها، وتضافرت جهودها، وتوحّدت جبهاتها. بالتأكيد، لن يقتصر الإنجاز على اختراق سرايا القدس منظومة الشاباك الأمنية، بل سيتعداه إلى سحق خيوط العنكبوت تحت بساطير رجالات المقاومة في الجبهات والميادين كافة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق