حوار اسطنبول وسؤال تجاوز أوسلو... هيثم أبو الغزلان

حوار اسطنبول وسؤال تجاوز أوسلو... هيثم أبو الغزلان
أقلام وآراء

 

هيثم أبو الغزلان

تُركّز تصريحات مسؤولين فلسطينيين على ضرورة إنجاز ما تم الاتفاق عليه من مخرجات لقاء "بيروت _ رام–الله" (3-9)، باعتباره الحد الأدنى لما سيُبنى عليه لاحقًا. والبعض اعتبر اللجنة المُؤلّفة من حركتي حماس وفتح لإنهاء الانقسام لجنة هامشية، لكن ثبُت أنّ فعالية اللجنة أثمرت اتصالات عديدة، ولقاء حواريًا في اسطنبول بين وفدين من حركتي فتح يضم: أمين سر اللجنة المركزية للحركة اللواء جبريل الرجوب، وعضو اللجنة المركزية روحي فتوح، ووفد "حماس" برئاسة إسماعيل هنية، ونائبه صالح العاروري، لبحث المُصالحة وإنهاء الانقسام، وإجراء ​الانتخابات​ العامة التشريعية والرئاسية وغير ذلك.

 

محاولات عديدة جرت سابقًا لترتيب وإصدار مرسوم الرئاسة بشأن الانتخابات التشريعية والرئاسية لكنّها لم تنجح، لكن المتغيّرات العديدة التي حصلت يبدو أنّها دفعت حركتي فتح وحماس مع الاختلاف أو التلاقي بالدوافع والمنطلقات لكل منهما إلى تعزيز العمل والتوافقات البينيّة القائمة على الاستمرار بصيغة التقاسم الوظيفي لما تبقّى من السلطة الآيلة للسقوط.

 

ما يُعزّز هذه الفرضية الكلام الواضح والصريح الذي قاله أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" جبريل الرجوب، في لقاء مع التلفزيون الفلسطيني الرسمي: "ذاهبون لبناء شراكة في الانتخابات بالتمثيل النسبي. وبعد الانتخابات يفترض أن يكون هناك صيغة لحكومة ائتلاف وطني- تريدها حماس قبل الانتخابات-، وأنّه لأول مرة في تاريخنا قرارنا أصبح في أيدينا وخارج دائرة النفوذ ورعاية أي طرف إقليمي".

 

هذه الانتخابات التي من المفترض إجراؤها يوجد كما كتب ناصر اللحام ألف سبب لتأجيلها، ومنها جرائم الاحتلال البغيض وملف القدس وكورونا وانفصال غزة وذوبان القطب وانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية وانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية وأزمة سد النهضة في أثيوبيا، ومثل هذا .

 

ولكن والكلام للحام هناك سبب واحد لإجرائها، هو تهديد الاتحاد الأوروبي والدول المانحة بوقف الدعم عن السلطة وعن حماس إذا لم يتم إجراء الانتخابات قبل نهاية العام.

 

ومن المعروف أن إجراء الانتخابات "التشريعية والرئاسية..." إن حصلت لن يكون حلًا للمعضلات التي تواجه القضية الفلسطينية، وستجري ضمن إطار اتفاقية أوسلو التي تخلّى فيها المفاوض الفلسطيني عن 78% من أرض فلسطين مقابل التفاوض غير المضمون على ما تبقّى. وفي ظل سلطة آيلة للسقوط ولم تقطع حتى الآن مع برنامج أوسلو وملحقاته، وفي ظل تنامي توجّه يميني صهيوني داعي إلى "فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق المحتلة وتعزيز السيطرة الأمنية الإسرائيلية فيها"، ويعتبر تقرير أعدّه الجنرال احتياط يوسي كوبرفاسر، رئيس قسم الأبحاث السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" ومدير عام وزارة الشؤون الإستراتيجية وأحد القادة البارزين في مجموعة "الأمنيون" والذي يعمل باحثًا في مركز القدس لدراسة السياسات العامة، أن ثمن انهيار السلطة لا يوازي خطر بقاء إسرائيل "رهينة للسلطة ووجودها، خاصة وأن السلطة ما زالت تتمسّك بروايتها التاريخية وترفض الاعتراف بدولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي".

 

التقرير الذي نشر على نطاق واسع، وبخلاف كافة التقارير والدراسات والتّوجّهات السابقة التي أجمعت على أن انهيار السلطة أو حلها لنفسها يعتبر التهديد الأخطر أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا على إسرائيل في الوقت الحالي، أشار للمرة الأولى إلى أن هذا الخيار "ليس الأسوأ على الإطلاق"، وإلى أن "العبء الاقتصادي ليس كبيرًا كما يتم تصويره".

 

ومن المعروف أن عودة النقاش الإسرائيلي حول سيناريو حل أو انهيار السلطة الفلسطينية يعززه انحياز دونالد ترامب المطلق لنتنياهو وتبنّيه لمشروع اليمين، ما أفقد السلطة الفلسطينية مبرّر وجودها ويحوّلها إلى كيان ضعيف، وفاقد للأهلية السياسية وآيل للانهيار، وهو ما يتطلّب - بحسب خبراء إسرائيليين-، من إسرائيل حسم أمرها ورسم سيناريو في كيفية التعامل معه؛ تركه ينهار، أم إسناده وبث الروح فيه من جديد، أو ربّما إعادة صياغته من جديد بما يتناسب مع الدور المقلص (حكم إداري ذاتي) الذي حدّدته "صفقة القرن".

 

هذا الواقع الذي بلغ ذروته عندما حدّدت حكومة نتنياهو- غانتس تاريخ الأول من تموز على أنه الموعد الفعلي للشروع في تطبيق خطة الضم، وهو ما دفع بالسلطة الفلسطينية إلى الإعلان عن "تحلّلها" من الاتفاقيات التي تربطها بإسرائيل ووقف التنسيق الأمني معها، وهو ما يعني ضمنًا انتهاء صلاحية الإطار المرجعي الذي قامت على أساسه -اتفاق أوسلو- والصعود على سكّة المواجهة، ما يقود إلى تفكّك السلطة التي ستدخل بفعل قرارها "غير المسنود عربيًا ودوليًا" في أزمة مالية وإدارية، وعجزها عن أداء التزاماتها تجاه السكان، بحسب التقرير الإسرائيلي.

 

واعتبر مركز القدس للسياسات العامة أن إعلان التّحلّل من الاتفاقيات ورغم الأزمة السياسية التي تمر بها السلطة لا يعني الذهاب إلى خيار حل السلطة وقطع كافة الطرق للعودة إلى المفاوضات، ذلك أن الرئيس عباس "لا يزال يرفض الدخول في مواجهة على غرار الانتفاضة الثانية، ويعتبر أن السلطة إنجاز وطني لا يجب التفريط به". الاستنتاج ذاته خلص إليه مركز أبحاث الأمن القومي الذي اعترف بأن الأزمة التي تعيشها السلطة غير مسبوقة، ولكنها لن تؤدي إلى حلّها، خاصة إذا ما عملت "إسرائيل" على عدم تهميش السلطة أكثر، وعلى جعلها تقطف ثمار الاتفاقيات العربية-الإسرائيلية.

 

وإذا كان خيار حل السلطة بقرار سياسي فلسطيني مستبعدًا - بحسب التقرير الإسرائيلي-، ولا تأخذه إسرائيل على محمل الجدّ، فإن خيار انهيار السلطة بفعل الأزمات التي تعصف بها، وحالة الضعف التي تشهدها، وتقويض المرجعيات التي قامت على أساسها، يبقى هو السيناريو الأقرب أو الممكن إذا ما استمر نتنياهو في سياسته ضدها. وهذا سيكون له بحسب رئيس جهاز الشاباك السابق يعقوب بيري "آثار سلبية بعيدة المدى على إسرائيل، إذ من الصعب إيجاد إطار مقبول عالميًا وموجود على الأرض ليحل مكانها".

 

بناء على ما تقدّم فإن بقاء السلطة ومنع انهيارها يتوقفان على سياسة "إسرائيل" تجاهها، أما القرار الأصوب فهو التّحلّل من اتفاقية أوسلو وملحقاتها، وإعادة الصراع إلى مربّعه الأول- بحسب مبادرة الجهاد الإسلامي- على أساس أنّنا شعب محتَلّة أرضه، وبوحدة فلسطينية أولويّتها مقاومة المحتل حتى دحره.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق