مأساة مسلمي بورما .. قراءة موضوعية

مأساة مسلمي بورما .. قراءة موضوعية
أقلام وآراء

الشيخ : نافذ عزام

ماذا عليكم القول حول مأساة مسلمي بورما؟ وماذا بإمكاننا أن نكتب حول الملايين الذين حرموا من الحق في حياة طبيعية ، مجرد حياة طبيعية ؟ وكيف يمكن أن تتوزع المسؤوليات حول ما يجري ؟ وهل من جديد يقال حول واجب الدول العربية والإسلامية ؟ وهل مئات ملايين المسلمين مغيبون من أي دور مسؤولية ؟ وأين يغيب القانون الدولي وحق الفرد في اختيار معتقده؟ أسئلة عديدة تتزاحم بزحمة طوابير النازحين المساكين في بورما ، وكيف لا يمكننا أن نتذكر الآية القرآنية التي تختصر المشهد في إقليم أراكان «وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» لأنه لا توجد ذريعة أخرى لتسويغ المجازر وحملة القمع والتنكيل المستمرة منذ سنين ففي أوقات كثيرة كان يجري الحديث عن التطرف والتشدد الذي تسعى مكونات العالم لمواجهته والتصدي لامتداداته، في البداية نحن نؤكد أن الإسلام لا يمكن أن يقبل التطرف في أي شيء ولا يمكن أن يقبل مصادرة حق الآخرين لمجرد أنهم ينتمون لعقائد أخرى ، ولا يجيز أبداً أعمال القتل العشوائي حتى لو كان خلفيتها سياسة القمع والنهب والسيطرة والاستئصال التي مورست وبشكل واسع ضد شعوب الأمة العربية والإسلامية ،وقد قدم الإسلام رؤيته الواضحة والنزيهة للتعامل مع غير المسلمين حتى أن قرآناً كان ينزل لتبرئة يهودي من تهمة السرقة مديناً مسلماً ينتمي لعائلة كبيرة في المدينة وفي حياة النبي «صلى الله عليه وسلم» وإذا نظرنا إلى الوثيقة التي أقرها النبي عند قدومه إلى يثرب والتي سعى من خلالها لتنظيم العلاقة بين مكونات الدولة ستشعر بالانبهار حيث تقول الوثيقة في إحدى فقراتها: «وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين و لا متناصر عليهم ...». 

 

وفي فقرة ثانية، حديث أيضاً عن اليهود كونهم أصحاب المعتقد الثاني في المدينة ولم يكن هناك نصارى أو عقائد أخرى «وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ (أي يهلك)  إلا نفسه، وأهل بيته ... وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ... «كانت الصحيفة تمثل المبادئ العامة لأية دولة تريد إقامة العدل وتهدف إلى تعزيز القيم في الحياة وكانت تؤشر بقوة وفي تلك الأيام الأولى للدولة الفتية أن الإسلام لا يحمل ضغينة لأحد من المخالفين وأنه حريص على توفير الحياة الكريمة الآمنة للجميع يغض النصر عن المعتقد والقومية والتاريخ مليء بالأمثلة الحية على مدى تسامح الإسلام واعتداله وحرصه على كرامة الإنسان وحقوقه مهما كانت الاختلافات وبغض النظر عن العقيدة والقومية كان هذا التذكير السريع ضرورياً ونحن نشاهد ما يجري لمسلمي أراكان وما يجري في فلسطين وفي أماكن أخرى عديدة ونعود لمأساة الروهينغا حيث لا توجد ذريعة التطرف  والتشدد ولم يسمع أحد يوماً عن حمل مسلمي بورما السلاح في مواجهة الحكومات البورمية المستبدة المتعاقبة.

 

إذ الحقيقة الواضحة ان القتل يتم لأنهم مسلمون، والغريب ان الموقف الشعبي للبوذيين البورميين ورجال الدين عندهم يدعم حملة القمع الوحشية ولذلك لا فائدة من المناشدات الهادئة والتصريحات الخجولة, لكن هل يترك العالم المسلمين في بورما لمصيرهم؟ سؤال يجب ان يحز الضمائر ويمثل إدانة في ذات الوقت, للأنماط السياسية التي تحكم العالم, والتي تفتقد لأبسط معايير العدالة والنزاهة الأخلاقية, ليس بالضرورة ان يأتي الناتو ليقصف, ويضرب كما فعل في أحيان عديدة ومناطق عديدة, لكن على الأقل يجب ممارسة ضغط سياسي واقتصادي من قبل أمريكا وأوروبا, وهو وسيلة فعالة لإجبار المتطرفين البوذيين على وضع حد للمجازر والتنكيل والتهجير- والمفارقة واضحة في الموقف الأمريكي والأوروبي، إذا أخذنا الأزمة مع كوريا الشمالية كمثال، فلمجرد إجرائها تجارب على أسلحتها، ثار العالم، وانعقد مجلس الأمن عدة مرات، وقائمة العقوبات تزداد، وفي وقت ما جندت أمريكا عشرات الدول في حملتها على العراق، وتبين بالأدلة القاطعة لاحقا، ان الحملة استندت إلى تقارير كاذبة، وتقديرات وهمية, ببساطة شديدة لان المقتولين مسلمون، فأمريكا لا تشعر بدافع كبير للتحرك، وهذه من أهم الأسباب التي حولت العالم إلى غابة كبيرة، تسيطر عليها وحوش لا ترحم-وأما عن الموقف العربي والإسلامي فهو يبعث على الخجل- ومرة أخرى ليس بالضرورة أن يذهب العرب والمسلمون للحرب، لكن على الأقل أن يفرضوا مقاطعة شاملة على حكومة بورما، وأن يطردوا سفراءها من عواصمهم وأن يوقفوا كل أشكال التعامل معها وأن يسعوا للضغط في كل المحافل لإرغام المتعصبين المجرمين على تغيير سياستهم، لكن للأسف هذا لا يحدث ولا نتوقع حدوثه في ظل قراءتنا للمشهد العربي والإسلامي. وهذا يفاقم من مأساة المظلومين في بورما، ويعطي المتعصبين البوذيين جرأة أكثر لمواصلة التطهير العرقي كما وصفته الأمم المتحدة وكأن قادة الدول العربية والإسلامية نسوا قول نبيهم»: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» وإذا وصلنا إلى الموقف العام لجماهير الأمة فهو أيضاً لا يرتقي لخطورة ما يجري. قد يكون لأساليب الحكومات وسياستها المقيدة دخل في لجم الموقف الشعبي، لكن هناك وسائل عديدة سلمية وبعيدة عن العنف للتعبير عن التضامن مع مسلمين يقتلون ويذبحون فقط لأنهم مسلمون. والمحزن أكثر هو موقف النخب والمثقفين والدعاة.. لقد رأينا صوراً ومقاطع فيديو لحجاج من الدعاة المشهورين والمفكرين والسياسيين والمسئولين يفترض أنهم ذهبوا للحج شعثاً غبراً يبتغون رحمة ربهم ومرضاته وظهر الدعاة والسياسيون والمثقفون يتنعمون في مساكن فاخرة وعلى موائد عامرة ويقوم على خدمتهم عبيد! من إخوتهم ومشاهد مليئة بالضحك والمجاملات والأكل والقاعات المكيفة والخدم والعبيد.

 

كيف سيصدق المسلمون بشكل عام وفي بورما بشكل خاص أن المسلمين أمة واحدة؟ وهل سيقتنعون أن هؤلاء يعملون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في الحج وغير الحج- كيف سيقتنعون أن علية القوم وأصحاب الرأي والقرار يصغون باحترام لكلام نبيهم عليه الصلاة والسلام عندما يقول:» مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر»، « المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه، هل نشبه فعلاً هذا المثال الذي أراده لنا نبي الرحمة؟

التعليقات : 0

إضافة تعليق