إبداع يترجم المعاناة

"الحرق على الخشب" باب رزق يقاوم العوز

محليات

الاستقلال/ إسراء أبو زايدة

في مدينته الصغيرة وبين مجسماته التي يعتبرها صديقة الوقت والعزلة يعيش خليل سرور(27عاماً)، يسير بخطوات دقيقة ومرسومة داخل معرضه المتواضع ليضع لمساته الجمالية على لوحاته الصماء لتصبح صورة تضج بالحيوية والإثارة، رغم بساطة الأدوات، وقلة الإمكانات.

 

بعد محاولات مستمرة وحثيثة صعد سرور نحو سلم النجاح للتغلب على الوضع الاقتصادي السيء الذي يشهده قطاع غزة منذ ما يزيد عن عشرة أعوام، رغم تخرجه من كلية التربية بمعدل يؤهله لسوق العمل، إلا أنه تجاوز حالة الصدمة بالتحليق خارج السرب، من خلال العمل باستخدام فن الرسم بالحرق عبر الخشب.

 

"مركز إرادة للتدريب والتأهيل المهني كان الحاضنة الأولى لاحتوائي"، بهذه الكلمات بدأ الشاب سرور حديثه لـ"الاستقلال"، مبينا أن المركز كان بيئة خصبة لكل شخص التحق به من ذوي الاحتياجات الخاصة، لاسيما وأنه أحد الجرحى الذين أصيبوا قبل أعوام، وكانت إصابته حائلاً أمام اختياره إحدى المهن الشاقة، مما دفعه لاختيار ما يتناسب مع هوايته وطبيعة إصابته.

 

وتلقى سرور تدريباً لمدة ستة أشهر، كان كفيلاً بأن يثبت نفسه ويتخطى إصابته،  وكان الطريق الأمثل ليكتسب من خلاله قوت يومه، مشيرا الى أن التعامل مع الرسم على الخشب يحتاج إلى إتقان وقدرة عالية، والخطأ فيه لا يغتفر، وهذا الأمر يجذب المشاهد ويجعله يستشعر بأن الرسمة على اللوحة تكاد تكون طبيعية، وذلك عبر استخدام جهاز كاوٍ شبيه بالقلم، يحدد من خلاله ملامح الشخصية بصورة بارزة المعالم، وبأسعار في متناول الجميع.

 

يعكس سرور من خلال لوحاته صورة مشرقة للتراث الفلسطيني، والشخصيات الوطنية التي ضحت دفاعاً عن الوطن، معتبراً بأن رسم صور البورتريهات للشخصيات يعد من أصعب الرسومات التي تواجهه بالحرق على الخشب، ناهيك عن الصعوبات في غزة التي تقف حائلاً أمام تحقيق طموحاته ومنها أزمة الكهرباء، وإغلاق المعابر ، إضافة إلى محدودية وجود الجهاز الذي يعمل عليه في قطاع غزة.

 

لم يبق سرور حبيس الحصار، بل استغل مواقع التواصل الاجتماعي في التسويق لعمله، وحظي بإقبال كبير من قبل الجمهور، بأعمال بديلة مستهدفا فيها السوق المحلي، فأنتج العديد من الأعمال بالحرق مستغلاً المناسبات بكافة أشكالها، وأعياد الميلاد.

 

دخل مستقل

 

تسعى أماني أبو طير (32عاماً) من خلال هوايتها لفن الرسم والحفر والحرق على الخشب الحصول على فرصة عمل تجعل لها كينونتها واستقلاليتها بعيداً عن التبعية لأحد.

 

بدأت العمل في مجال الحفر والحرق على المنتجات بعد تلقيها دورات تدريبية مكثفة، سعياً منها لتطوير نفسها، والحصول على دخل مستقل في ظل الظروف الاقتصادية المتردية، والكم الهائل من الخريجين، متخذة من الأدوات الخشبية، كالبراويز والأثاث حقل عمل لها .

 

وحول طبيعة عملها، أوضحت أبو طير أنها تستخدم الكثير من الأدوات منها التقليدية كالمناشير والمفكات، والآلات الكهربائية الخاصة بالحرق والحفر، لكونها توفر الوقت والجهد ".

 

ولا تنكر أبو طير تعرضها لبعض العراقيل في بداية مشوارها مع الخشب، كنظرة الناس غير السوية لعملها، لكونه يندرج تحت مسمى مهنة النجارة التي يعتبرها البعض حكراً على الرجال فقط، ولكن عزيمتها وإصرارها في المضي نحو هدفها كان برهاناً للجميع بأن طموحها أكبر من ذلك.

 

تحدي الواقع

 

تحدي وإصرار وعزيمة، رافق الشابة سماح شاهين (36عاماً)، في مشوارها مع النحت والحرق، متحدية ظروف إعاقتها، متخذة من اسمها عنواناً لتغيير حياتها للأفضل وعدم السماح للفشل بطرق بابها وعزلها عن المجتمع.

 

قررت سماح أن تتحدى إعاقتها التي تعاني منها منذ ولادتها، وتجعل منها بداية لحياة مكللة بالنجاح والتميز، فوجدت في الحفر على الخشب الأمل الذي يقودها نحو تكوين عالمها الخاص، مثبتة بذلك أنها ورغم إعاقتها الا انها إنسانة منتجة وليست عالة على المجتمع، متخذة من الظروف الاقتصادية سلماً للصعود به نحو عتبات النجاح في ظل شح فرص العمل المتواجدة في مدينة غزة .

 

لم تستسلم شاهين لظروفها، بل طرقت بيد من حديد لتعزيز الأمل بداخلها، فالتحقت ببرنامج الحفر على الخشب باستخدام جهاز الكمبيوتر عبر مشروع "تمكين" لتدريب وتشغيل مجموعة من ذوي الإعاقة، وتأهلت للمرحلة الثانية بجدارة وتميز، وتم دعمها من قبل القائمين على المشروع، ، وتزويدها بالماكينات والمعدات والمواد الخام لبدء العمل فق وحديثها لـ"الاستقلال".

 

تأهيل لسوق العمل

 

بدورها أوضحت نائب المدير للعلاقات العامة والتمويل في برنامج إرادة لذوي الاحتياجات الخاصة م. منال حسنة أنه تم إطلاق برنامج إرادة في العام(2012)، لكونه البرنامج الأول على مستوى القطاع الذي يختص في تقديم التأهيل والتدريب الحرفي للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وإعادة تأهيلهم ليكونوا متكاملين في وقت لاحق ويساهموا في النمو الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الفلسطيني.

 

وبينت حسنة لـ "الاستقلال" بأن برنامج إرادة يندرج تحته عدة أهداف، منها تدريب وتأهيل وتخريج كوادر مهنية لتغطية احتياجات سوق العمل وتحسين فرص التشغيل عبر تنفيذ برامج التوجيه والتدريب المهني والحرفي، لتحقيق الدمج الاجتماعي والاقتصادي من خلال برامج التشغيل ودعم المشاريع الصغيرة لتلبية احتياجات سوق العمل.

 

وأكدت حسنة على ضرورة توعية المجتمع حول أهمية التدريب المهني والحرفي، للمساهمة في تحقيق تكافؤ الفرص، لتعزز اندماج ذوي الإعاقة في سوق العمل، ودعمهم نفسياً واجتماعياً، مما ينعكس إيجاباً على الأداء المهني.

 

وأشارت إلى تنفيذ برنامج إرادة أكثر من (35) برنامجاً تدريبياً يخدم فئة ذوي الإعاقة قائم بشكل أساسي على البرامج الحرفية، كالرسم على الزجاج والسيراميك، والحفر والحرق اليدوي على الخشب، إضافة إلى الحفر باستخدام الكمبيوتر، وتجليد الكتب وتجهيز علب الهدايا،  إضافة إلى تنجيد ودهان الأثاث، وأعمال النجارة وصناعة منتجات الألمنيوم، والتطريز والإكسسوارات.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق