النخالة وصوابية الرؤية الإستراتيجية للمقاومة والمتغيرات

قراءة في خطابه بالذكرى 33 للانطلاقة الجهادية لحركة "الجهاد".. أمين مصطفى

قراءة في خطابه بالذكرى 33 للانطلاقة الجهادية لحركة
أقلام وآراء

بقلم: أمين مصطفى

ما من ثورة أو حركة تحرر في التاريخ، استندت إلى نهج المقاومة كخيار استراتيجي لها في مواجهة التحديات والضغوط على أنواعها، من أجل تحرير الأرض والكرامة، إلا وحققت انتصارات باهرة على غير صعيد، بخاصة إذا كانت معتمدة على عقيدة إيمانية راسخة، لا تؤثر في مسارها وبنيتها أية عواصف أمنية أو سياسية أو اقتصادية، أو تصفيات واعتقالات وغيرها، وذلك لأنها تعي مسبقاً حجم التحديات والأخطار التي ستتعرض لها من قِبَل الأعداء الكُثر الذين يتربصون بها بهدف كسر شوكتها.

 

ينطبق هذا التوصيف بدقة على المراحل والتجارب التي عاشتها "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين" خلال 33 عاماً من الكفاح المتصاعد، والتي انتهجت المقاومة سبيلاً لتحرير كامل التراب الفلسطيني المحتل، مقدِّمة كوكبة من خيرة قياداتها وكوادرها على مذبح الشهادة، في طليعتهم المؤسس الأول القائد د. فتحي الشقاقي، والشهيد القائد د. رمضان عبدالله شلّح، والشهيد القائد بهاء أبو العطا وعشرات الشهداء الآخرين.

 

هذا ما ترجمه حالياً الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، القائد زياد النخالة في كلمته لمناسبة الذكرى 33 للانطلاقة الجهادية للحركة، في مهرجان رقمي نظمته الحركة بقاعة رشاد الشوا بمدينة غزة مؤخراً، تحت عنوان: "القدس موعدنا"، تأكيداً على أن"القدس كانت وما زالت نقطة التقاء أمتنا، وعنوان مستقبلنا باتجاه تحرير فلسطين كل فلسطين"، كما قال.

 

تاريخ تراكمي لإرادة الجهاد

 

لم تكن الصعوبات والتحديات التي واجهت "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين" سهلة، فتم مواجهتها بالصبر والثبات وبناء الذات وتطوير القدرات، حتى باتت رقماً يحسب له العدو ألف حساب.

 

لقد كان العدو الصهيوني يظن واهماً، أنه بالتصفيات الجسدية، وحملات الاعتقالات، وهدم المنازل والتضييق على تنقلات ونشاط المجاهدين، قادراً على النيل من الحركة، لكنه فشل فشلاً ذريعاً.

 

هذا ما أشار إليه القائد النخالة، قائلاً: "لقد أثبتت الحركة أنها قادرة على اجتياز محطات مفصلية في تاريخها الجهادي، لم ترهبها الاغتيالات، ولا التصفيات، ولم تضعفها جريمة اغتيال أمينها العام الأول، الذي كان أيقونة الجهاد والمقاومة."

 

وأعلن بكل وضوح، تمسكه بالمقاومة كخيار استراتيجي لا بديل عنه لاقتلاع العدو الصهيوني من جذوره، واستعادة الأرض من مغتصبها، وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجّروا عنها قسراً، مؤكداً "أننا مصرون على الاستمرار في طريق الجهاد" فالمقاومة أثبتت جدواها.

 

موضحاً أن "تاريخ حركة الجهاد، هو تاريخ تراكم إرادة القتال والجهاد، ومواجهة المشروع الصهيوني في كل مكان من فلسطين، عبر المقاومة المستمرة بكل أشكالها، وهي لم تتوقف يوماً واحداً، وحتى وصلت إلى امتلاك القدرة على قصف عاصمة الكيان، وكل مدنه ومستوطناته، وقد فعلت ذلك في كل مرة كانت تريد ذلك."

 

جهود تحرير الأسرى

 

كان تحرير الأسرى من سجون الإحتلال، من بين أبرز العناوين التي أعطتها حركة الجهاد أولى اهتماماتها، بل وشغلها الشاغل، لما تمثله من قضية، وهي ما زالت تسعى وبقية قوى المقاومة الأخرى، من أجل الإفراج عنهم.

 

وفي هذا السياق أعلن النخالة، "أننا لن نألُ أي جهد من أجل تحرير كل الأسرى، ونحمّل الاحتلال كامل المسؤولية عن حياتهم، وخصوصاً الأسير ماهر الأخرس".

 

 مشيراً إلى:"أن ما وصلت إليه حركة الجهاد هو بفضل التضحيات ودماء الشهداء والجرحى ومعاناة الأسرى".

 

ضرورة الوحدة لمواجهة المشروع الصهيوني

 

كانت "حركة الجهاد الإسلامي" وستبقى من أبرز الداعين والعاملين من أجل تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، على قاعدة مواجهة مشروع العدو الصهيوني، وصولاً لإزالته، وهذا لن يتحقق إلا بالمقاومة.

 

ورأى النخالة أن "الوحدة الحقيقية تقوم على مواجهة المشروع الصهيوني بكل السبل والوسائل المتاحة، وهذه قناعتنا التي تثبت لنا الأيام والتجارب صدقها وجدواها".

 

واعتبر بكل مشاعر ومفاهيم المسؤولية تجاه توحيد الصف الفلسطيني، بخاصة في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة، اعتبر أن "الوحدة الوطنية هي صمام الأمان لقضيتنا، ولم نكن يوماً سنتخلف عن تلبية هذا النداء، وهي كفيلة بالخروج من المأزق الذي تمر به قضيتنا حتى الوصول إلى برنامج وطني"، لافتاً إلى أنه "علينا التخلي عن الأوهام بحصول متغيرات إقليمية"، مشدداً على أهمية وجدوى المقاومة، مؤكداً أن "خط دفاعنا الأول هو الشعب الفلسطيني، الذي يؤمن بحقه في فلسطين، وهذا التصميم هو الذي يجب أن يدفعنا لصياغة برنامج وطني يستند على حقوق شعبنا التاريخية في فلسطين".

 

رفض "أوسلو" ومبادرة الاستسلام الأمريكية

 

واستعرض النخالة مساعي الولايات المتحدة الأمريكية، لفرض أمر واقع على الشعب الفلسطيني، ومحاولة شطب القضية الفلسطينية، ومنح الصهاينة فرصة ضم وبناء المزيد من المستوطنات على أراضي الضفة الغربية والقدس المحتلتين، والتصدي لها فقال: "مبادرة الاستسلام التي حاولت الولايات المتحدة فرضها على شعبنا، واجهت رفضاً فلسطينياً جامعاً، وإرادة شعبنا تقف عقبة رئيسة اليوم أمام خطة الضم والتهويد الصهيونية التي تستهدف إنهاء أي حلم فلسطيني بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس،على ما تبقى من أرض فلسطين، بعد اعتراف الرسمية الفلسطينية بدولة الكيان الصهيوني على 78 بالمئة من  فلسطين، كدولة للعدو الصهيوني في اتفاق أوسلو اللعين".

 

هذه المبادرة وما تنطوي عليه من مخاطر، استدعت رداً شعبياً وفصائلياً، تحدث عنها النخالة، كما تحدث عن المشاركة بلقاء الأمناء العامين، والصيغة التي طرحها لتعزيز الوحدة وبناء منظمة التحرير على أسس جديدة، فأكد أن ما حصل أدى إلى استنفار الشعب وقواه السياسية، ولقاء الأمناء العامين للفصائل "وقد شاركنا في هذا اللقاء إيماناً منا بضرورة وحدة الشعب الفلسطيني، وضرورة وحدة الموقف الفلسطيني، في مواجهة ما يستهدف تصفية القضية الفلسطينية لصالح المشروع الصهيوني، وكان تأكيد في اللقاء على ضرورة سحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، لتصبح الإطار الوطني الذي يمثل كافة قوى الشعب الفلسطيني، والإعلان على أن المرحلة التي يعيشها شعبنا ما زالت مرحلة تحرر وطني، وأن الأولوية هي للمقاومة، وإنهاء الوضع الراهن، وتحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة برنامج وطني قائم على المقاومة بكافة أشكالها".

 

ركّز الأمين العام لحركة الجهاد، على أن اتباع أسلوب المراوغة في هذه المرحلة المصيرية لم يعد مقبولاً، ولذا لا بد من التخلي عن "أوسلو" ومندرجاته، بعد أن ثبت فشله تماماً، وألحق الأذى الفادح في القضية الفلسطينية. ورأى أن" غياب البرنامج الوطني المشترك، يعني غموض الرؤى السياسية والالتزامات الوطنية، والقفز مرة أخرى في الهواء، ونحن لا نريد إعادة التجربة بإجراء بعض التحسينات على خطاباتنا، ونقفز عن الحقائق الماثلة أمامنا".

 

وشدد النخالة مجدداً على موقف حركة الجهاد من اتفاق أوسلو، قائلاً: أن "فشل مشروع السلام تحت عنوان "أوسلو"، وتصميم العدو بتحويل الضفة الغربية المحتلة إلى دولة للمستوطنين، لن يجعلنا نذهب في هذا الاتجاه مرة أخرى، ونعطي مجدداً شرعية للاحتلال بكل إجراءاته"

 

وأوضح بكل صدق ومسؤولية وطنية أن حركة الجهاد تضع الأولوية في حواراتها على صياغة برنامج وطني مقاوم، ولا أولوية لأي شيء آخر.

 

ووضع شرطاً لمشاركة حركة الجهاد في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، هو أن تكون هذه الانتخابات مفصولة عن المجلس التشريعي، مشيراً إلى أننا: "لن نكون جزءاً من مجلس تشريعي يعترف بـ"إسرائيل"، ويجب أن يكون ملتزماً بالمشروع الوطني الفلسطيني".

 

التطبيع ومحاولات تشكيل المنطقة

 

حذرت حركة الجهاد مراراً مما يحاك للمنطقة، وفي المقدمة استهداف الشعب الفلسطيني وقضيته المركزية، وذلك بناء لقراءة واعية، مستندة إلى وقائع وحقائق كثيرة، وجاءت خطوات التطبيع العربية الأخيرة مع العدو الصهيوني، لتؤكد هذه الرؤية.

 

وكشفت الحركة -على لسان أمينها العام- على أن "ما نشهده اليوم من موجة تطبيع عربية مع العدو الصهيوني، يأتي في إطار إعادة ترتيب المنطقة، وله هدف واحد وواضح، وهو إدخال المنطقة بتاريخها وحضارتها بيت الطاعة "الإسرائيلي".

 

وشرح النخالة ذلك بأنهم "يريدون بناء هذه المنطقة على أساس المصالح، يكون العدو الصهيوني القوة الأساسية المهيمنة فيها، والقوة المركزية التي تتفاعل مع كل طرف وحيداً، والتي تشرف على إعادة تشكيل المنطقة والمحاور والسياسات فيها، والإمكانيات والعلاقات".

 

لذلك، بنظر النخالة، فإنهم "عملوا على إلغاء هويتنا كأمة عربية وإسلامية بإلغاء تاريخنا وإلغاء عقيدتنا، وعمدوا إلى إطلاق اسم "إبراهام" على ما يسمى بمشروع السلام مع دول الخليج، إنهم بهذا السلام الوهم يريدون تفكيك المنطقة"، ورأى أنهم "للأسف حققوا خطوة خطيرة، ورأينا الجامعة العربية مشلولة، ولا تستطيع حتى أن تعيد قراءة قراراتها السابقة وصمتوا على ما حدث".

 

كان موقف الجامعة العربية هذا مهيناً، دلّ على مدى انصياعها لما يخطط للقضية الفلسطينية من خلال ما يسمى بصفقة القرن وغيرها.

 

وأكد النخالة أن موقف الجامعة من التطبيع الجديد "مؤشر واضح على ضعف الموقف العربي الجامع، ولو في حدّه الأدنى، وقد بدا أن الكيان الصهيوني يحظى بقبول أكثر مما تحظى به القضية الفلسطينية وعدالتها".

 

لكن كل ذلك لم يزعزع الثقة بقدرات الشعب العربي والإسلامي، على إفشال المشاريع والمخططات الأمريكية-الصهيونية، وهو ما دفع بالنخالة إلى "الرهان على وعي شعوب الأمة في مواجهة كل المحاولات التي تريد القبول بالعدو الصهيوني كجزء من المنطقة". مؤكداً على التحالف مع كل قوى المواجهة والمقاومة للمشروع الصهيوني في المنطقة والعالم.

 

كان خطاب النخالة شاملاً وقراءة دقيقة لما يجري في السر والعلن، حول الخرائط الجديدة التي ترسم للمنطقة، في ظل حالة من شبه الإحباط واليأس والتخبط تعيشها المنطقة.

 

أراد النخالة كالعادة تصويب البوصلة نحو الهدف الأساس، فلسطين والقدس، مشدداً على أن "فصائل المقاومة عصية على التطبيع، ولا زلنا في ميدان المعركة، وسيبقى شعبنا شامخاً بمقاومته، ورافضاً لكل الحلول التي تتجاوز حقوقنا التاريخية".

 

وختم النخالة بزبدة الموقف، داعياً مقاتلي فصائل المقاومة إلى "البقاء على الجهوزية الكاملة".

 

فباليقظة الدائمة، والتمسك بخيار المقاومة، والرد على أي عدوان بالمثل، قادرون على فرض معادلات القوة والردع، وإفشال محاولات النيل من قضيتنا.

التعليقات : 0

إضافة تعليق