وزراء الحرب الإسرائيليون بين الشعارات والطموح الشخصي

وزراء الحرب الإسرائيليون بين الشعارات والطموح الشخصي
عين على العدو

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

لم يتوقع وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان تلك الحدة التي وردت في الرد الكوري الشمالي على تصريحاته بخصوص تأثر إسرائيل بالتهديد النووي لكوريا الشمالية، وقد يكون مفهومًا قسوة الرد الكوري لأمرين اثنين، أولهما كون كوريا دولة نووية تخوض أزمة مع الولايات المتحدة، وأن ليبرمان هو وزير جيش دولة نووية وحيدة في المنطقة ومتحالفة مع الولايات المتحدة، والأمر الثاني أن كوريا كدولة نووية لا تسمح لنفسها بأن تمر مرور الكرام على تهديداته، بخلاف دول المحيط والفصائل المقاومة التي تعودت أن تصريحات ليبرمان في أغلبها تأتي من باب المزايدة على طرف ما، وغالبًا لا يكون مطلوبًا منه تنفيذ التهديدات التي يطلقها.

 

منذ فشل "كامب ديفيد" وانقلاب الأحداث بين الفلسطينيين وإسرائيل عام 2000 إلى اليوم، تعاقب على وزارة الحرب الإسرائيلية ستة وزراء ذوي أنماط مختلفة، يمكن اختصارها في نمطين: النمط الأول مثله ايهود باراك، شاؤول موفاز، وبوغي يعلون؛ هؤلاء الثلاثة جاءوا إلى وزارة الحرب من خلال مؤسسة الحرب، أما النمط الثاني فمثله عمير بيرتس وأفيغدور ليبرمان.

 

المتابع لسلوك الثلاثة الأوائل يجد أن الأكثر صمودًا في الوزارة كان باراك، ويمكن فهم شخصيته من خلال موقفين؛ الموقف الأول: تنازله طوعًا عن رئاسة الحكومة لصالح أريئيل شارون عام 2001 عندما أدرك ان ياسر عرفات لن يقبل بأقصى ما يمكن أن يقدمه له رئيس حكومة إسرائيلي، وذلك مقابل إنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، فسمح في العام 2000 لشارون بزيارة المسجد الأقصى، والتي على إثرها اندلعت الانتفاضة الثانية، ثم ذهب طواعية إلى الانتخابات على رئاسة الحكومة دون الكنيست، ليبقى اليمين ذو الأغلبية وينتخب شارون رئيسًا للحكومة، الموقف الثاني: بعد ذلك بعشر سنوات، وفي العام 2011، حيث انشق عن حزب "العمل" مع أعضاء كنيست آخرين، وإقامة حركة باسم "الاستقلال"، وهو الأمر الذي ضمن بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة آنذاك، وعندما سئل عن سبب ذلك أجاب "فقط بسبب إيران (يقصد من أجل توجيه ضربة لإيران)، لقد رأيتُ صعوبة تمرير قرار وأنا في الداخل (الحكومة)، وعرفتُ أنه سيكون أصعب عندما أكون في الخارج، وعندما لم أنجح في إقناع زملائي في حزب العمل انفصلت، فهناك أمور أهم من الحزب".

 

هناك أمور أهم من رئاسة الحكومة عام 2001، وهو إنهاء سياق أوسلو الذي ارتآه عرفات نحو نقل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على أرض فلسطين دون التوصل إلى إنهاء الصراع، وفي العام 2011 ضرب المشروع النووي الإيراني أهم من حزب "العمل" الذي كان رئيسًا له.

 

الأقل استمرارًا في الوزارة على نفس النمط، لكن ليس على مستوى التضحية، هما موفاز ويعلون، وكلاهما مخلصان للدولة وجيشها، وذوا خبرة عالية، وكان لهما الأثر الكبير في إعداد الحرب، الأول كان المنفذ الحقيقي لمشروع شارون بإنهاء سياق أوسلو، وكذلك إنهاء الانتفاضة الثانية، أما الثاني فكانت بصماته واضحة في تهيئة الحرب لمواجهة التحديات على الجبهة السورية وجبهة الجنوب، بما فيها غزة وسيناء، وكان الأكثر إدراكًا ووعيًا لكل كلمة وكل سلوك يصدر عن قيادة الحرب الإسرائيلية، وحذرًا من أن تتورط إسرائيل في المعارك الدائرة بين الأطراف المحيطة لها، ولكن كليهما كانت تدفع بهما الأجندة الخاصة إلى خارج الوزارة، وهي السعي نحو رئاسة الوزراء. أما بن اليعازر فهو شخص فاسد، كان وجوده في الوزارة شكليًا، اضطر شارون لتعيينه كون مقررات "لجنة كاهان" التي حققت في مذبحة صبرا وشاتيلا لم تسمح لشارون بتبوؤ منصب وزير جيش في إسرائيل، فعيّنه شارون وزير دفاع كي يبقى هو الوزير الفعلي للجيش.

 

يشترك بيرتس مع ليبرمان في كونهما لم يصلا لوزارة الحرب عبر رئاسة الأركان ولا من خلال هيئتها، ولكنهما يختلفان من حيث أن الأول قادم من أفكار اليسار، قادته الظروف إلى وزارة الحرب دون السعي الدؤوب لها، فوجد نفسه قائدًا لحرب لبنان الثانية دون ان يعلم شيئًا عن صراع الجنرالات ولا عن جنونهم.

 

أما ليبرمان القادم من جمهوريات الاتحاد السوفييتي كثير الاستقالات فيمكن تلخيص أسباب استقالاته في سببين: إما كنتيجة لتحقيق ضده أو لرفضه قرارًا حكوميًا أو برلمانيًا يتعارض مع رياح التطرف التي تجتاح المجتمع الإسرائيلي، وذلك كي يحافظ على تمايزه بتمثيل تلك الرياح، ومن هنا يمكن أن نفسر أكثر تصريحات ليبرمان المتطرفة، حتى لو تعارضت مع مصلحة الدولة، وأما سلوكه فقد تسيطر عليه النفعية التي قادته في الكثير من الأحيان إلى مكاتب التحقيق. بيد أنه عندما كان مسؤولًا عن قراراته يختلف الأمر، ويمكننا العودة لمواقفه خلال العدوانين الأخيرين على القطاع (2012 و2014)، والتي كانت في أغلب الأحيان مؤيدة للقبول بالهدنة وإيقاف العدوان، وعندما لا يستطيع تجاوز شخصيته المتسلقة يكون موقفه غامضًا على حد وصف سلفه يعلون "ليس لديه أي صبر في الكابينت، إنه يأتي للنقاشات، يلقي شعارات ويذهب".

 

يمكننا ملاحظة غياب تهديده لأي طرف مصري، بعدما أدرك الثمن الذي دفعه نتيجة تصريحاته تجاه مصر بتدمير السد العالي بعد أن قاطعته مصر مبارك، ولم تسمح له بدخول أراضيها رغم كونه وزيرًا للخارجية آنذاك. لكنه كعادة أصحاب الحناجر قد يكون الأقل سوءًا على الفلسطينيين والقضية الفلسطينية والصراع العربي - الإسرائيلي من كل من سبقوه في وزارة الحرب الذين كان للفلسطينيين تجربة قاسية معهم.

التعليقات : 0

إضافة تعليق