التأريخ الهجري وعلاقته بالبناء... داود أحمد شهاب

التأريخ الهجري وعلاقته بالبناء... داود أحمد شهاب
دنيا ودين

داود أحمد شهاب

الهجرة النبوية من أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي ، حيث شكلت نقطة تحول في تاريخ الإسلام وحركته انتقل فيها نبي الإسلام إلى بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة فكانت مصدر إشعاع حضاري ملأ الدنيا نوراً وعدلاً وهداية.

 

ولذلك اتخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، هذا الحدث بداية للتقويم الهجري كونه المنعطف الأول الذي بدأ فيه المسلمون مرحلة جديدة لتثبيت دعائم الإسلام وإعلان كيانهم السياسي والاعتباري.

 

ومن الراجح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمع بكبار الصحابة وفي مقدمتهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم جميعاً ، وعرض عليهم أمر التأريخ الذي ينبغي أن تتخذه الأمة لتوقيت معاملاتها وتحديد زمان أحداثها وأعمالها. وليكون ذلك التقويم أيضاً تعبيراً عن استقلال الأمة بكيانها ومنطلقاتها وسائر معطياتها.

 

وقد تعددت آراء الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك ، فمنهم من ذهب لاعتبار بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بداية للتقويم الإسلامي، وذهب رأي آخر لاتخاذ مولده الشريف صلوات الله عليه بداية للتقويم ، وهناك من اقترح التأريخ بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن الرأي الذي استقر عليه أمير المؤمنين وكبار الصحابة أن تكون الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة بداية التقويم الإسلامي لأن الهجرة كانت إظهاراً للإسلام وبداية انطلاق حركة البناء والقوة والنماء والازدهار.

 

إن الإسلام دين بناء ، ومما يدلل على عظم أهمية الهجرة النبوية أن آيات التشريع بدأت تتنزل على رسول الله بعد الهجرة أي عندما بدأ المسلمون مرحلة بناء كيانهم وانتقلوا إلى مرحلة جديدة في رسالة الإسلام العظيم.

 

ولم يشأ أمير المؤمنين تغيير الشهر الذي يبدأ فيه العام ، بل أبقى على شهر محرم لكونه بداية العام الذي اعتادت عليه العرب. وأول الشهور في التقويم المعمول به آنذاك.

 

لقد استغرق عمر رضي الله عنه وقتاً في مشاورة الصحابة حول أمر التقويم الإسلامي ، حتى انعقد الاجماع على ما أقره عمر رضي الله عنه، ما يعني أن الأمر لم يأتِ من باب الصدفة ، بل كان حدثاً مهماً وقراراً له أبعاده ومكانته ودلالاته في عقول الصحابة ومن بعدهم في وعي الأمة وتاريخها.

 

إن المرء يتساءل باستنكار شديد لماذا يمر حدث رأس السنة الهجرية مروراً عابراً في حياة المسلمين ، وما هو السبيل لأن تعرف الأجيال المتعاقبة مكانة وقدر هذا الحدث الهام في حياة الإسلام ومسيرته ، وبالتالي يُتخذ من المناسبة فرصة لتعريف الأجيال بأسلوب البناء والإدارة والحكم الرشيد في إرساء دعائم الدولة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف قامت الشخصية الإسلامية التي التصقت التصاقاً وثيقاً بالقرآن الكريم والمنهج النبوي في البناء؟ ومن خلال كل ذلك يتعرف المسلمون على نظام الدولة وميثاقها الذي صاغه النبي ليكون مبادئ المواطنة لكل أهل المدينة ومن حولها بعد الفتوحات، ولترى الأجيال كذلك مكانة وقيمة الوقت وكيف انتظم النظام الإسلام والشريعة الإسلامية كلها بالوقت فيجعلون له احتراماً وقيمة.

 

موضوع التقويم الهجري وعلاقته بالبناء موضوع يحتاج المرء فيه إلى توسع كبير في قراءة وفهم الأحداث ، والتعرف على دلالاتها وأحكامها ، إن كل تلك الأحداث لم تكن وليدة الصدفة أو أنها جاءت بدوافع عاطفية وشعاراتية أبداً ، بل كانت تستند إلى تخطيط دقيق يأخذ بالأسباب ويفقه الظروف التي تدعمها التشريعات والأحكام ، ومع ذلك واجه المسلمون تحديات كبيرة وخطيرة .. لا يوجد إنسان على وجه الأرض أحق من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالانتصار ، وكان ممكناً أن تكون طريقه إلى التمكين أيسر من ذلك بكثير ، لكن حياته صلوات الله عليه كانت مليئة بالصعاب حتى نستفيد ونتعلم كيف يكون البناء والتمكين.

اللهم اجعلنا ممن يهتدون بهدي رسولك العظيم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق